مع اقتراب نشر «تقرير تشيلكوت» الذي طال انتظاره، يعترف رئيس وزراء بريطانيا الأسبق توني بلير، أنه بات «أكثر عمقاً» في فهمه للشرق الأوسط مما كان عليه أثناء توليه منصب رئاسة وزراء بريطانيا. وهو يقر بأنه قلل من شأن القوى التي ستنطلق في أعقاب الإطاحة بالرئيس العراقي الأسبق صدام حسين في عام 2003، واعترف بأن ولادة تنظيم «داعش» كانت من النتائج المباشرة لذلك.

لكن هذا التبرير للاعتذار لا يمكنه التعويض عن الموت الذي تلا كل ذلك، وظواهر الدمار والطائفية والإرهاب التي ابتلى بها مهد الحضارة منذ ذلك الحين. العجيب في الأمر هو أن بلير نال مكافآت مجزية بحصوله على مقاعد في مجالس إدارات الشركات كما بتعيينه مبعوث اللجنة الرباعية للسلام إلى الشرق الأوسط!

أما شريكه جورج بوش في الجرم، إذ إن هذا الغزو القائم على الأكاذيب والذي شن من دون تفويض من الأمم المتحدة كان جريمة، فقد أكد في مذكراته «نقاط القرار» أنه لا داعي للاعتذار لأن العراقيين أصبحوا «في وضع أفضل» من دون «دكتاتور قاتل». لكن بوش، بعد ثلاث سنوات من صدور كتابه، أشار إلى ذاك الصراع بأنه خطأه الأكبر، طالباً من الأميركيين أن يغفروا له خطأه في الحكم الذي كان «بنوايا حسنة»، من دون أي ذكر للضحايا الفعليين لجريمة الحرب هذه حسبما يصفها كثيرون، وهم الشعــب العراقـي.

وقد تفاقم هذا «الخطأ في الحكم» الذي ارتكبه بوش، يوماً بعد يوم، بعد توقف سقوط القنابل، عندما تم تسليم العراق إلى رئيس الوزراء العراقي السابق نوري المالكي.

ويشكل استمرار هذين الرجلين بوصفهما ركنين أساسيين من أركان المجتمع يحظيان بالاحترام، استهزاء بمحكمة الجنايات الدولية في لاهاي، التي يكمن اختصاصها في التحقيق مع أفارقة متهمين بارتكاب جرائم أقل ترويعاً.

دروس فاتت أوباما

يقول بلير إنه تم استخلاص الدروس، لكن إذا كان الأمر كذلك، فإن هذه الدروس لا بد أن تكون قد فاتت الرئيس الأميركي باراك أوباما والقادة الأوروبيين الذين ختموا مصير الرئيس الليبي معمر القذافي بنتائج مأساوية مماثلة.

في عام 2011، أسرع أوباما في التخلي عن أحد أقرب حلفاء أميركا، وهو الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك في سبيل تبني اطراف أخرى، وذلك في تجاهل لإرادة أكثر من 30 مليون مصري نزلوا إلى الشوارع مطالبين الرئيس المصري السابق محمد مرسي المنتمي إلى جماعة الإخوان بالتنحي.

ومنحت إدارة أوباما دعمها إلى حزب حركة النهضة الإسلامي في تونس، مشيدة بتلك البلاد بوصفها قصة النجاح الوحيدة «للربيع العربي»، ومن جهته، أعلن زعيم حزب حركة النهضة راشد الغنوشي، أخيراً، عن قرار حزبه بفصل السياسة عن الدين!!.

دور مستمر

وكانت اتفاقية سايكس – بيكو السرية لعام 1916 بين بريطانيا العظمى وفرنسا خيانة بحق القادة العرب، بمن في ذلك شريف مكة حسين بن علي، الذي ساعد في دحر الجيوش العثمانية. وقد رش وعد بلفور عام 1917 الملح على الجروح.

ومازال الاستعمار الجديد حياً بشكل قواعد أميركية، ومعدات وبرمجيات، دون ذكر مؤامرات خفية للتلاعب بالسياسة الداخلية للمنطقة.

ومن الأمثلة على ذلك، وهناك الكثيــر منها، الانقلاب الذي دبرته وكالــة الاستخبـــارات المركزية الأميركيــة للإطاحة برئيس الوزراء الوحيــد المنتخــب ديمقراطياً في إيـران، محمـــد مصـدق فـي عـام 1953.

ويمكن تتبع أثر صعود التطرف أيضاً إلى الثمانينات، عندما خطبت الولايات المتحدة ود المقاتلين العرب ضد السوفييت في أفغانستان، والذين أسس قادتهــم الأساســيون تنظيــم القاعــدة.

ويمكن للمرء أن يتخيل كيف سيكون عليه الشرق الأوسط اليوم من دون عطش الاستعمار الغربي للموارد الطبيعية، وللنفوذ الجيوسياسي، ومن دون تنصيبه دكتاتوريات عبارة عن دمى تجري الإطاحة بهم عندما تنتهي فائدتهم. هل يمكن أن يكون الأمر أسوأ مما هو عليه؟

تقسيم

قسمت اتفاقية سايكس-بيكو المنطقة كقطعة حلوى، تاركة إياها متقدة بالصراعات الطائفية، وكان وزير خارجية بريطانيا آرثر جيمس بلفور قد كتب رسالة إلى زعيم المجتمع اليهودي بارون والتر روتشيلد، معلناً دعم بريطانيا لوطن يهودي في فلسطين، وكان يقصد بذلك أن يضمن دعم اليهود لجهود الحرب من دون أي اعتبار لسكان فلسطين الأصليين. وهكذا تمت ولادة الدولة اليهودية في عام 1948 عندما أجبر أكثر من 700 ألف فلسطيني على الفرار من منازلهم. ومازال الملايين من أسلافهم يصنفون كلاجئين، فيما ملايين آخرين نزعت عنهم ملكياتهم وحرموا من حقوقهم وهم مضطهدون داخل وطنهم.