كانت لحظة استثنائية بكل معنى الكلمة، فقد أخفى دكتاتور تشاد السابق حسين حبري، وجهه وراء نظاراته الشمسية، أخيراً، فيما كان يستمع للحكم الصادر عن المحكمة التي حكمت عليه بالسجن مدى الحياة، بعد إدانته بارتكاب جرائم ضد الإنسانية وجرائم اغتصاب وتعذيب.

وكان حبري الذي أسفرت سنوات الرعب الثمانية لحكمه عن وفاة ما يقرب من 40 ألف تشادي، غير نادم على أفعاله. وأشارت كلماته الوحيدة التي نطق بها في قاعة المحكمة بالسنغال، إلى نفوذ فرنسا على مستعمراتها السابقة: «فلتسقط إفريقيا - الفرنسية».

وشكلت محاكمة حبري حدثاً غير مسبوق. وتعتبر نتائجها نقطة تحول في العدالة في قضايا حقوق الإنسان في إفريقيا وما وراءها. ولم يكن مستغرباً أن يبكي الناجون وعائلات الضحايا فرحاً في المحكمة. وكان الحكم لحظة استثنائية بالنسبة لحقوق الإنسان في إفريقيا ولجماعات المجتمع المدني على حد سواء، ممن خاضوا الحملة بلا كلل لأكثر من 20 عاماً، في كفاح ضد مطالبة رجل واحد بالحصانة والإفلات من العقاب.

وقد استغرق إعداد محاضر الدعوى سنوات في داكار، عاصمة البلاد التي فر إليها حبري بعد الإطاحة به في عام 1990، وحيث عاش في ترف بمنفاه. وبعد الكثير من المساومات الصعبة، كان أن نجمت عن ذلك محاكمة دول إفريقية لأول مرة لزعيم سابق في دولة إفريقية أخرى على انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان.

وفي المحاكمة التي بدأت في يوليو الماضي، واجه حبري في نهاية المطاف محكمة خصوصاً شكلت لهذه القضية من قبل الاتحاد الإفريقي في إطار اتفاق مع السنغال. ويشكل إنشاء «الغرف الإفريقية غير العادية» بحد ذاته إنجازاً رائعاً.

المثابرة

وكان من المستعصي إجراء المحاكمة من دون المثابرة التي أظهرها الناجون من نظام حبري الوحشي، والناشطون الأفارقة، بالعمل جنباً إلى جنب مع المنظمات الدولية لحقوق الإنسان. وعلى مدى سنوات، طالبوا بالعدالة، بما في ذلك عبر المحاكم البلجيكية، لكن كانت تعترضهم باستمرار العقبات، وأحياناً تعرضوا للترهيب. وفي النهاية، تطلب الأمر تغييراً في القيادة السياسية بالسنغال لتصبح المحاكمة ممكنة.

ويشكل انعقادها بدعم من الاتحاد الإفريقي نقطة تحول أخرى. فقد رضخ الاتحاد الإفريقي في النهاية، وهو الذي ينتقد المحاكم الدولية عموماً، وسبق أن ندد بها مراراً بوصفها مسعى غربياً يستهدف بشكل رئيس المسؤولين والزعماء الأفارقة. وما أطلق الزناد كان أمراً صادراً عن محكمة للأمم المتحدة موجهاً إلى السنغال لمحاكمة حبري أو تسليمه للمحاكمة في مكان آخر.

لا تزال أسئلة كثيرة دون إجابة، وكثير منها يتعلق بمسؤولية أو تواطؤ بلدان غربية، مثل فرنسا والولايات المتحدة التي دعمت حبري بنشاط خلال سنوات الحرب الباردة، وغضت الطرف عن أساليبه. ومع ذلك، جلبت المحكمة للضحايا لحظة الحقيقة التي طال انتظارها. والحكم يبعث برسالة حازمة للطغاة في كل مكان. فإفريقيا الآن صنعت مثالاً ينبغي أن يحذو حذوه الآخرون.

شهادات

حكم حبري تشاد من عام 1982 إلى 1990، حيث تم سجن وتعذيب مئات الألوف من التشاديين ممن اعتبروا أعداء لنظامه. وشملت الأدلة في المحاكمة أوصافاً مروعة عن كيف كان يجري تعذيب السجناء . وكانت مسؤولية حبري المباشرة لا ترقى للشك. وقد وصفت امرأة كيف اغتصبها حبري، وهي الجريمة التي أدين بها .