مع استمرار سيطرة تنظيم «داعش» على أجزاء كبيرة من البلاد، وبالنظر إلى تهاوي أسعار النفط، فإن العراق على شفا الانهيار. ولكن بدلا من العمل على حل مشكلات البلاد، فإن الطبقة السياسية العراقية استنفدها الصراع على السلطة. وفقد المتظاهرون في بغداد، أخيرا، صبرهم وأغاروا على مبنى البرلمان، مهددين بمزيد من الاجراءات في حال لم يتخذ إجراء جدياً.
كان هذا الانفجار في الأفق منذ وقت طويل. ووعد رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي في أغسطس الماضي بتحسين خدمات الحكومة والقضاء على الفساد. وعلى نحو غير مفاجئ فشل في ذلك. وردا على هذا طالب المتظاهرون بحكومة جديدة وبالتخلي عن نظام المحاصصة الطائفية الذي كان موجوداً في الحكومات العراقية منذ عام 2003. وحاول العبادي الرد بتأسيس حكومة «تكنوقراط»، إلا أنه لم يكن قادرا على تحصيل موافقة البرلمان عليها.
الشلل السياسي
العراقيون العاديون غاضبون. وقد عمل رجل الدين مقتدى الصدر على المراكمة على تحركاته من خلال قيادة الحركات الاحتجاجية. ولكنه مع ذلك لم يتمكن من السيطرة على غضب العراقيين تجاه قادتهم.
إلا أن سبب الشلل السياسي العراقي ليس إيديولوجياً ولا عرقياً. وفي الحقيقة، فإن معظم الفاعلين الأساسيين في النزاع المتواصل هم من السياسيين العراقيين الشيعة. ويستند الخلاف إلى عدم الثقة المتبادل، الذي غذاه نقص الكفاءة والفساد، اللذان شكلا أساس النظام السياسي العراقي منذ عام 2003. الديناميكية هذه جعلت من المستحيل بالنسبة إلى مؤسسات الدولة تقديم أي حلول حقيقية للأزمة.
بعض المسؤولين العراقيين والأميركيين، بمن فيهم نائب الرئيس الأميركي جوزيف بايدن، أعربوا عن أملهم بأن يقلب رئيس الوزراء العراقي الوضع. إلا أنهم يخفقون في فهم المسألة على وجهها الصحيح.
وحتى في حال شكلت حكومة جديدة فسيكون من المفترض أن يوافق البرلمان على الوزراء الجدد، فيما لايزال يصر على اختيار الأشخاص غير الأكفاء والفاسدين من المعارضين المنفيين السابقين، الذين مضوا بالبلاد إلى التهلكة. الأهم من ذلك هو أن الحكومة الجديدة ستتأثر بالفساد والطائفية. والقول إن الحكومة الجديدة يمكنها أن تصمم وتمرر وتتحمل اصلاحات الحكم الشامل يعتبر وهماً.
الطريقة الوحيدة للخروج من هذا المأزق هو ضخ دماء جديدة في الطبقة السياسية للبلاد. ويجب أن تكون أولوية الحكومة العراقية تنظيم انتخابات حرة على أساس مختلف عن ذلك الذي قامت على أساسه في الماضي. هناك تغيران بسيطان وضروريان ينبغي إنجازهما على الفور.
أولا، أعضاء البرلمان العراقي يعتبرون من أعلى البرلمانيين أجوراً في العالم. وهذا كان مدعاة لترشح الكثيرين لأسباب خاطئة. الرواتب والفوائد و بدلات التقاعد التي تصرف للبرلمانيين يجب أن تخفض بشكل واضح.
ثانيا، يجب أن تمنح اللجنة العليا للانتخابات سلطات واسعة كي تنحي المرشحين الذين يتعدون على قواعد الحملة الأساسية. وفي الماضي، تلقى بعض المرشحين رشى على نحو صريح، وتلاعبوا وهددوا الناخبين، بينما كانوا يمولون حملاتهم بأموال مختلسة من دون أي عقوبات حقيقية. النتيجة هي أن البرلمان امتلأ بأسوأ أنواع النماذج البعيدة عن الكفاءة والتي لا تمتلك أي رؤية.
ضغط مجتمعي
وقد يكون من الصعب تخيل سن قواعد انتخابية جديدة بالنظر إلى الوضع السياسي العراقي. ولكن هناك سابقة. ففي عام 2009 اجبر البرلمان على الانتقال من نظام القائمة الانتخابية المغلقة إلى القائمة المفتوحة بسبب ضغط المجتمع المدني العراقي (المؤسسات الدينية ومؤسسات الفكر والرأي ووسائل الاعلام الرئيسية)، ومن المجتمع الدولي (بما في ذلك الأمم المتحدة والولايات المتحدة الأميركية والاتحاد الأوروبي). وبالنظر إلى نطاق الغضب الحالي هناك احتمالات أقوى بتطبيق ضغط مماثل اليوم.
ومن دون دماء جديدة، فإن الاصلاحات الضرورية ليست لها أي فرصة للنجاح. ومن دون ثقافة جديدة لمساءلة المسؤولين الحكوميين فليس لدى العراق أي أمل.
