تشكل الاعتداءات التي حصلت، أخيراً، في بغداد تذكيراً بقدرة تنظيم «داعش» على ارتكاب الأعمال الوحشية في كل أنحاء العراق والمضي في تنفيذ عملياته الإرهابية، كما تعوّد لأكثر من عقد من الزمن.
وقال أحد المسؤولين الأمنيين النافذين معلقاً: «يعتبر تنظيم (داعش) فكراً لن يكون الأول ولا الأخير من نوعه». وفي الواقع وبينما يتباهى المجتمع الدولي بهلاك التنظيم، عمد الإرهابيون إلى ضرب المناطق الشيعية في بغداد، وقتل ما لا يقل عن 63 شخصاً وجرح 80 آخرين في سلسلةٍ من التفجيرات التي استهدفت الأسواق.
وأشار مسؤولون مطلعون إلى أن تنظيم «داعش» قد خسر ما يقارب نصف المساحات التي كان يسيطر عليها في العراق وأكثر من 20 في المئة في سوريا. وقد يكون صحيحاً أن قادة التنظيم تتم تصفيتهم والبنى التحتية التابعة له تخضع للتدمير، لكن في الوقت الذي يخسر التنظيم الأراضي التي يسيطر عليها، تذكر الاعتداءات التي شنها، أخيراً، كما سابقاتها بأنه لا يزال قادراً على ارتكاب المجازر على امتداد العراق، كما كان دأبه منذ عشر سنوات.
كلفة إعادة تأهيل
أي بتعبير آخر، فإنه من غير المتوقع أن نشهد عالماً من دون «داعش» في المدى المنظور، فالتنظيم يزدهر مستفيداً من غياب المؤسسات في الدول الضعيفة أو الفاشلة. ولا شك في أن إصلاح ذلك يتطلب حوكمة جيدة وبناءً للمؤسسات وإحلال التسويات داخل المجتمعات المشرذمة. وقد تبين بالدليل القاطع أن إعادة تأهيل كل من المدن والشعب العراقيين تنطوي على تكاليف وتحديات تفوق هزيمة تنظيم «داعش» نفسه، سيما أن التوترات الطائفية والحوكمة المشوبة بالاختلال والاستقطاب الإقليمي، قد تفاقمت منذ ظهور التنظيم على ساحة الأحداث، بعد أن كانت عوامل سببت ولادته في المقام الأول.
ولم يأت توقيت الهجمات الإرهابية التي ضربت مدينة الصدر، أخيراً، من باب المصادفة. وقد حصلت بعد أسبوع واحد من التظاهرات الشعبية التي حشد لها الزعيم الديني مقتضى الصدر، ودفع بمؤيديه إلى اجتياح مقر البرلمان العراقي.
هدف الاعتداء وتوقيته
ويهدف اعتداء «داعش» الأخير، الذي حمل رمزية كبيرة من ناحية الهدف والتوقيت إلى القضاء على هذا الاندفاع نحو الإصلاح، بالإضافة إلى إشعال فتيل الردود الانتقامية من قبل جماهير الشيعة التي مارست أعلى درجات ضبط النفس خلال مسار الحرب على التنظيم، على الرغم مما لحق بها من أعمال القتل الوحشية ذات الطابع الطائفي.
وألقى ناجون غاضبون، بعد وقوع الانفجار في مدينة الصدر، باللائمة على الطبقة السياسية الحاكمة في العراق لتقاعسها وفشلها في حمايتهم وضمان أمنهم. علماً أن هذه التفجيرات تتزامن مع أزمة سياسية خانقة تعصف بالعراق، حيث لا يستطيع نواب البرلمان الاتفاق فيما بينهم حول التئام المجلس، فيما تعاني الحكومة من شبه شلل جراء الخلافات الحزبية والفئوية.
ولا يزال بالإمكان إحلال الاستقرار في العراق على غرار ما حدث بين عامي 2008 و 2011، علماً أن الخطوة تطلبت ما يزيد على مئة ألف جندي أميركي وبريطاني عملوا كحاجز امتصاص للصدمات بين جهات المتقاتلين، إضافة إلى توفير الأمن والقدرات الاستخبارية للدولة العراقية، وهو أكثر ما تحتاجه اليوم.
وعلى الرغم من أن بعض الجهات في العراق، مثل المرجع الديني آية الله علي السيستاني، تعمل كقوة اعتدال، فهو نفسه قد انسحب من الحملة الإصلاحية بدافع من الإحباط والغضب من الطبقة الحاكمة في البلاد.
ويذكر أنه في ظل غرق العراق أكثر فأكثر في وحول العنف الطائفي والاضطراب السياسي، المتزامنين مع بروز تنظيم «داعش» من جهة ومتنفذي الدويلات كما الميليشيات الشيعية، فإن استعادة كيان الدولة العراقية ووحدة المجتمع ستكون مهمة صعبة، إن لم تكن مستحيلة.
تحدٍّ
لدى الطائفة الشيعية في العراق الكثير من العناصر القتالية والأسلحة، وهي عرضة اليوم للوقوع في الفخ ذاته للعام 2006، حين ضرب تنظيم القاعدة أحد الأماكن المقدسة ، وأشعل فتيل الحرب الأهلية التي جرت العراق إلى الهاوية.
وقد ساهم انتشار مجموعات الميليشيات منذ العام 2003، على امتداد مسار الحرب على تنظيم «داعش» تحديداً، في مفاقمة مشكلات العراق. وتتسم تلك المجموعات بأنها عالية التسليح ، كما سبق لها أن ارتكبت أعمالاً طائفية الطابع ضد السنة في العراق، وسمحت بإيجاد مساحة تتيح ازدهار التنظيم. ولا يمكن للعراق أن يصمد في حال آلت السلطة إلى شبكات موروثة قائمة على الطائفية .

