حتى قبل أن تغلق الولايات المتحدة المنطقة المعروفة الآن بالمنطقة الخضراء، وسط بغداد، بالجدران المدعمة والأسلاك الشائكة، كان ينظر إليها بمزيج من الخوف والبغض.
كان الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين، قد زين قصوره بنصب تذكارية لنفسه، وبعد الإطاحة به، انتقل التحالف، بقيادة الولايات المتحدة، إلى أحد تلك القصور.
وهو القصر الجمهوري، وتطورت المنطقة الخضراء من حوله. وكان من المفترض أن تكون التحصينات مؤقتة، للرد على أي تحرك خارجي، لكن بعد انسحاب الأميركيين، فإن قادة العراق الجدد، أقاموا مكانهم في القلعة، وأصبحوا الهدف الرئيس لجمهور غاضب.
وعلى الرغم من مرور 13 عاماً على سقوط صدام، لا يزال الكثير من العراقيين يصارعون لتدبير شؤونهم. وأنتجت حكومات متعاقبة منفصلة عن الناس، مستويات مذهلة من الفساد وعدم الكفاءة.
العام الماضي، بدا التقدم ممكناً، عندما طرح رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي، أجندة إصلاح مدعومة ظاهرياً من قبل جميع أعضاء البرلمان. ولكن عودة النواب سريعاً إلى المشاحنات، أشعلت حالة من الغضب الشعبي، الذي انفجر في 30 أبريل الماضي، عندما اقتحم مئات من العراقيين المنطقة الخضراء.
وقد تراجع المحتجون بسرعة، بعد تحطيم بعض الأثاث وضرب أحد أعضاء البرلمان، لكن تحركهم عمق أسوأ أزمة سياسية شهدها العراق منذ سقوط صدام في عام 2003.
وكان السبب المباشر لذلك، خلافاً على المناصب الحكومية التي تتقاسمها الكتل السياسية، بناء على الطائفة والعرق.
وقد نهبت الكتل السياسية الوزارات الخاضعة لسيطرتها. وحاول العبادي تقليص الحكومة من 22 وزيراً إلى 16 (وكان قد ألغى 11 منصباً في وقت سابق)، وإحلال مكان المعينين سياسياً تكنوقراطيين، يمكنهم القيام بوظائفهم. وجهوده كانت مدعومة من قبل أميركا وإيران والمرجع الديني الشيعي آية الله علي السيستاني. وتلقى أيضاً دعم رجل الدين الشيعي مقتدى الصدر، الذي يهيمن أتباعه على حركة الاحتجاج.
ومع ذلك، فإن جميع الأحزاب السياسية في العراق، تتمسك بالنظام القديم، الذي يضمن لها حصة في السلطة وغنائمها. وبالتالي، حتى قبل أن يجري إقرار المرشحين الخمسة الأقل إثارة للجدل، الذين طرح العبادي أسماءهم في 26 أبريل، قام بعض المشرعين بقذف زجاجات من الماء في الهواء وغادروا البرلمان. وبعد ذلك بأيام، فإن تصويتاً على مرشحين جدد، تم تأجيله لعدم اكتمال النصاب.
وسيكون تشكيل حكومة أخرى أمراً صعباً. فقد عاد الأكراد إلى منطقة الحكم الذاتي، حيث تشجع الأزمة على الإكثار من الحديث عن الاستقلال، ويقول رئيس مجلس النواب، إنه سيحاول أن يعقد جلسة جديدة للبرلمان.
لكن يخشى ألا تكون لذلك أي أهمية، وأن البلاد منقسمة على نفسها، وأن الفساد مترسخ إلى درجة أن البلاد أصبحت عصية على الحكم. وعلى الرغم من أن رئيس الوزراء يمكنه الاستمرار في دفع الرواتب، والمضي قدماً في الحرب ضد «داعش»، مع أو بدون هيئة تشريعية، إلا أن هناك القليل مما يمكن لأي شخص القيام به لإصلاح الدولة العراقية.
وعلق العبادي الآمال على إصلاح بعض الضرر الذي سببه سلفه، رئيس الوزراء الأسبق الطائفي، نوري المالكي، لكن ربما فات الأوان على ذلك. فالتوتر يتصاعد بين المجتمعات الطائفية، وفي داخلها. وتقاتل جماعات شيعية، مثل منظمة بدر، من أجل النفوذ، بينما يخطط المالكي لعودته. وفي الشمال، يتناحر الأكراد في ما بينهم..
بينما يقتل المتشددون في «داعش»، من السنة أكثر من أي جهة أخرى. وتقترح المستشارة السابقة في الجيش الأميركي في العراق، إيما سكاي، النظر إلى الصراعات بوصفها «صراعاً على السلطة والموارد في دولة منهارة. عالم يليق بعالم هوبز، حيث الجميع ضد الجميع». وتقول سكاي، إن بعض العراقيين يتذكرون الأيام الأخيرة للملكية في عام 1958، عندما رفضت نخبة أخرى الإصلاحات فأطيح بها.
وفي غضون ذلك، ينهار الاقتصاد في العراق. وتكلف الحرب مع «داعش» ملايين الدولارات كل عام، وهذه الحرب توضح كيف تفاقم مشكلات البلاد بعضها بعضاً. فخلال حوادث الاضطرابات الماضية، سحب العبادي وحدات الجيش من محافظة الأنبار، حيث يتمتع «داعش» بالقوة، في سبيل تأمين أمن بغداد.
وضع منهار
الاقتصاد العراقي ينهار، إذ تحصل الحكومة على معظم أموالها من مبيعات النفط، فيما سعر هذه السلعة انهار أخيراً. وقد قام البرلمان بتمرير ميزانية قدرها 107 تريليونات دينار (100 مليار دولار) لسنة 2016، ويتوقع عجزاً بقيمة 24 تريليون دينار. ويأمل المسؤولون بالحصول على قروض.
ويذهب أكثر من 70 % من الإنفاق العام، إلى مدفوعات الرواتب ومعاشات التقاعد لـ 7 ملايين موظف حكومي، وكانوا مليون موظف حكومي في عهد صدام. وكثيرون يجلسون على مكاتب فارغة، وقد قام العبادي باقتطاع رواتب بعض الموظفين الحكوميين، لكن آخرين حصلوا على زيادة في رواتبهم، ولا يسمح السياسيون للعبادي بصرف أي موظف.
