سلطت الحملة السوريالية لانتخابات الرئاسة الأميركية، التي تواصلت هذا العام، الضوء على الفجوة، التي تفصل نخبة ممثلي السياسة الخارجية في أميركا عن الناخبين الأميركيين..
وقلبت مؤسسات السياسة الخارجية الراسخة داخل الحزبين الجمهوري والديمقراطي رأساً على عقب، وبطريقة مثيرة للفضول، فإنه ينتج عنها إجماع جديد بين الحزبين يقضي بنبذ التدخل الأميركي في العالم العربي.
وقد انتقد الجمهوري الأوفر حظاً دونالد ترامب الحرب العراقية بوصفها جريمة، واستنكر التحالفات التقليدية لأميركا، وأشاد بالدكتاتوريين من أمثال الرئيس الليبي السابق معمر القذافي. وقد لاحقت أشباح حرب العراق الحزب الديمقراطي أيضاً، حيث وصف المرشح الديمقراطي بيرني ساندرز دعم هيلاري كلينتون للحرب بأنه اختبار للحكم عليها بأنها فشلت.
ومنذ الحرب الباردة، اصطفت مؤسسة السياسة الخارجية وراء سياسة بعيدة المدى، للحفاظ على جدار الاحتواء في الشرق الأوسط. وتوحد الجمهور والنخبة وراء أهداف تقضي بالحفاظ على إمكانية الوصول إلى نفط المنطقة، وضمان أمن إسرائيل، وإحباط الأطماع السوفييتية.
والجانب المميز في هذه الوحدة أنها سمحت بتجاوز التفكك داخل الإجماع الوطني حول حرب فيتنام. واعتقدت إدارات متلاحقة من الحزبين أن الشرق الأوسط له أهمية، وأن أميركا عليها أن تحقق نجاحاً في المنطقة.
حتى في الفترة التي تلت الحرب الباردة، بقي الشرق الأوسط منطقة تحظى باتفاق صارم بين الحزبين، بسعيهما وراء حل للصراع العربي- الإسرائيلي، واحتواء إيران والعراق، والتعامل مع التهديد الناشئ عن الإرهاب. وكانت هناك خلافات حول التكتيكات المستخدمة، لكن ليس على الأهداف الإجمالية.
وقد مزقت حرب العراق وما أعقبها من اضطرابات الاتفاق بشأن السياسة الأميركية. ورئاسة باراك أوباما جاءت رد فعل لمحاولة زرع الحكم الديمقراطي في العراق..
لكن أوباما على ما يبدو أفرط في تعلم هذه الدروس: اختار انسحاباً سريعاً غير مسؤول من العراق، ورسم خطوطاً حمراء في سوريا لم يطبقها، وشن حرباً بالطائرات الموجهة عن بعد ضد الإرهاب من دون تقدير الأسباب الكامنة وراء التطرف.
معارضة شديدة
وواجهت إدارة أوباما معارضة شديدة متزايدة من نخبة السياسة الخارجية، معارضة من الجمهوريين بصوت عال، ومن الديمقراطيين بشكل غير مباشر، وهذا عزز ازدراء أوباما لـما أطلق عليها «قواعد اللعبة في واشنطن»، وتخفي سنوات أوباما المثيرة للجدل واقعاً يفيد بأن تردد الرئيس كان يحظى بواقع الحال بمقدار من التأييد الشعبي.
والانتخابات التمهيدية داخل الحزبين أظهرت جمهوراً لا يثق بالنخبة ومؤسساتها، ليس هذا فحسب، لكنه أيضاً مشكك بفكرة أنه يتعين على الولايات المتحدة أن تتحمل أعباء الشرق الأوسط، فقد انهار نظام الدول العربية الذي تطور في القرن العشرين تقريباً، وجماعات إرهابية عابرة للحدود الوطنية تتحرك لاحتلال مناطق لا تخضع للحكم، وتحاصر حرب أهلية طائفية منطقة تقبع فيها بشكل متزايد دول فاشلة.
ومنذ أن أخذت الولايات المتحدة مكان بريطانيا، بوصفها الجهة الخارجية الرئيسة الفاعلة في الشرق الأوسط، كانت مصدراً للاستقرار في المنطقة. وقد عززت واشنطن النظام العربي المحافظ، ومنعت جهات راديكالية من تخريب أساساته. وتحت حماية المظلة الأميركية تطورت إسرائيل من مشروع وليد إلى دولة قوية تفرض مصالحها.
ووطد الإجماع بين الحزبين سجل الإنجازات لأميركا، لكن اليوم، في ظل دولة متعبة بسبب الحرب وأمراض العالم العربي، يتشكل اتفاق مختلف بين الحزبين. وفي الأسابيع المقبلة، ستلحق النخبة بنفور الجمهور من تدخل أكبر.
لن يتخلى أي رئيس أميركي في أي وقت عن الشرق الأوسط، لكن الأوقات عندما كانت واشنطن حريصة على تخفيف صراعاته قد ولت.
والبندول قد يتأرجح تجاه تلك الناحية مجدداً، ومتلازمة العراق مثل سابقتها فيتنام المنهكة سوف تولي أدبارها في يوم ما، لكن للمرة الأولى في تاريخ ما بعد الاستقلال، فإن الشرق الأوسط هو حقاً متروك لمعالجة أوضاعه بنفسه، ومخاطر هذه العزلة سوف تتجلى في نهاية المطاف.
اللامبالاة
لا يرغب أي من الحزبين الجمهوري والديمقراطي بالاعتراف بأنه يعيد دراسة عقيدته الخاصة بالشرق الأوسط. وفي النهاية، سيتحدث المرشح النهائي للحزبين عن القضاء على «داعش» ودعم إسرائيل، والحفاظ على نظام تحالف مهزوز في الشرق الأوسط.
ومع ذلك، فإن المرشحين للرئاسة سيرفقان تصريحاتهما بتعهد بعدم نشر جنود في المنطقة. وسوف يتجاهلان واقع أن الحرب الأهلية السورية لا يمكن أن تنتهي، وأن «داعش» لا يمكن أن يُهزم، من دون الكثير من الجنود الأميركيين على الأرض.
ومأساة الشرق الأوسط هي أن اللامبالاة الأميركية جاءت في وقت تشهد المنطقة بعضاً من التحولات الأكثر عنفاً.
