ساعد التحالف بقيادة أميركا في إطاحة نظام الرئيس الليبي السابق معمر القذافي عام 2011، ووضع حدّ لاثنين وأربعين عاماً من الدكتاتورية. لكن لسوء الحظ ساهم غياب مشاركة التحالف في المرحلة الانتقالية للبلاد في إيجاد فراغ سياسي تصارع عدد من المجموعات منذ ذلك الوقت لملئه.

وتمخضت الفوضى اللاحقة عن جعل مناطق واسعة من ليبيا مرتعاً للمقاتلين المنحازين لـ«داعش»، مما أسهم في تفاقم الأزمة الأمنية في البلاد، في ظل تصارع الأطراف على حق الحكم تحت شعار العلمانية.

غير أن الحقيقة تشير إلى أن الصراع ليس بين المتدينين والعلمانيين، ويخفي إطار العمل الشاق لتفسير السياسات العربية تعقيدات الوضع الليبي، لا سيما أن فصائل الصراع الأساسية المتناحرة كافة تضم عدداً من المتشددين والليبراليين وداعمي الميليشيات.

ويتجسد الانقسام الحقيقي في البلاد بين الذين يريدون لليبيا المضي قدماً من خلال حكومة الوحدة الحديثة، وبين أمثال الفريق خليفة حفتر الذي استولى على جزء كبير من شرق ليبيا عقب سقوط القذافي، ويرفض التخلي عن حكم الرجل الواحد القائم في مدينة طبرق الساحلية.

وقد كانت الطريق إلى تشكيل حكومة وحدة بطيئة وصعبة، ولم تتمكن المساعي المدعومة من الأمم المتحدة من التوصل إلى نتائج مثمرة حتى ديسمبر الماضي، حيث تم التوقيع على الاتفاق السياسي الليبي الناجم عن مفاوضات مطولة بين المعسكرات المتنافسة.

وعلى الرغم من الدعم الأممي الذي تحظى به حكومة الوفاق الوطني، فلا يزال لها الكثير من الأعداء. ويريد البعض الإطاحة بطموحات الإدارة الجديدة بليبيا ديمقراطية ومزدهرة في مرحلة ما بعد الثورة وإعادتها إلى حكم على نهج القذافي. فيما يخشى طرف آخر أن تقوض الحكومة الجديدة موقعه وسلطته.

ويندرج في قائمة هؤلاء قادة مثل الفريق حفتر، الذي يريد السيطرة على وزارة الدفاع، وآخرون ممن يريدون نسف ما تم التوصل إليه وإعادة التفاوض على اتفاقية سياسية جديدة. وغالباً ما يبرر هؤلاء موقفهم على أنه ردّ على السلوك غير المنصف لخصومهم السياسيين في حكومة الوحدة.

إلا أن الهدف هنا ليس تعزيز إيديولوجية محددة، بل حماية مواقع السلطة المغتصبة عقب الفوضى التي تلت الأحداث في ليبيا. ويشكل محور القلق الأساسي عدم التمكن من السيطرة على حكومة الوفاق الوطني بغياب أكثرية تحكمها، وبالتالي العجز عن تعزيز أجندات شخصية.

وقد أشار مارتن كوبلر، رئيس بعثة الأمم المتحدة إلى ليبيا، إلى أن تلك القوة لا تمثل كل ليبيا. ولا بد لمنح الحكومة السيطرة الحصرية من أن تلقى قبول جميع الميليشيات، بغض النظر عن خلفيتها العقائدية، السلاح، وأن يصار إلى توحيد الجيش تحت إمرة هيكلية قيادية وحيدة.

ويعي المجتمع الدولي أنه لا يمكن السماح لليبيا بأن تصبح دولة فاشلة، وهذا هو السبب الذي دفع بالأمم المتحدة لتلقي كل ثقلها في دعم المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني.

وتبقى المعركة الحقيقية في ليبيا اليوم بين جهة تحبذ إعادة إنشاء سلطة الحكم الاستبدادي وأخرى تميل نحو بناء ديمقراطية سلمية.