فيما كان الرئيس الأميركي باراك أوباما يمتع الحضور من أهل الصحافة في البيت الأبيض أخيراً، وكانت بريطانيا غارقة في جدال غريب حول أفكار هتلر، كانت حلب تتعرض لقصف عنيف، أودى بحياة مئتي شخص. ويعد انهيار الهدنة في سوريا بالمزيد من المعاناة في حرب استمرت خمسة أعوام، وقتلت مئات آلاف الأشخاص، وخلفت ملايين اللاجئين.

تطوران إيجابيان

إلا أنه من قلب المأساة، ينبثق الأمل، حيث يمكن أن يشهد العام الحالي، حدوث تطورين إيجابيين هائلين. يتمثل الأول في الهزيمة العسكرية لتنظيم «داعش»، الذي من المحتمل أن يخسر معقلين حصينين له في سوريا، هما الرقة ودير الزور.

ويتخذ التطور الأساسي الثاني، هيئة التوصل إلى اتفاق سلام بين النظام السوري والمقاتلين المعتدلين. وتكمن أهمية هذين التطورين، في التعاون الوثيق بين كل من واشنطن وموسكو، فعلى الرغم من توتر العلاقات بين أميركا وروسيا، أتت آراء كل منهما حيال الصراع السوري متقاربة، وارتكزت على أسس العمل المشترك لهزيمة «داعش» وإنهاء الحرب.

وذهب الأميركيون إلى حدود أبعد، التزمت واشنطن بموجبها، بمبدأ «ضرورة رحيل الأسد»، وهو هدف أعلن عنه للمرة الأولى أوباما عام 2011. وأتى ظهور تنظيم «داعش» في الممارسة، مرادفاً لتبدل أولويات أميركا في سوريا. وأصبح القضاء على التهديد المتشدد هدفاً أسمى، أبدى من أجله الأميركيون استعداداً للتخلي ضمنياً عن المطالبة بـ «تغيير النظام»، على الرغم من المضي في التشديد على أن الرئيس السوري بشار الأسد، يجب ألا يكون جزءاً من تسوية السلام.

وتعتبر خطوة روسيا أقل دراماتيكية، إلا أنها مهمة أيضاً. وقد بدا الروس، في المراحل الأولى للحملة العسكرية، غير مهتمين كثيراً بالقضاء على المجموعات الأكثر تشدداً. وأشارت التقديرات الأميركية، إلى أن الضربات الروسية، التي استهدفت «داعش»، لم تتجاوز نسبتها 10 إلى 20 في المئة، في حين تركزت بقية الضربات على بقية المجموعات أو الجهات المعتدلة المعارضة لنظام الأسد.

طريقتان لمعالجة الوضع

ويمكن للأميركيين اليوم، معالجة الوضع المستجد بطريقتين، إما عبر تركيز جهود الولايات المتحدة على مجابهة «داعش» في العراق، ومساعدة حكومة بغداد في استعادة الموصل، أكبر مدن البلاد، من يد التنظيم، أو أن تعتمد نهجاً أكثر إثارةً للجدل، وتقدم الدعم الفاعل للروس والنظام السوري في معركة استعادة الرقة.

وتشير الأوضاع في صيغتها الراهنة، إلى استحالة سياسة تشهد عمل الإدارة الأميركية بشكل مباشر مع نظام الأسد والروس. إلا أنه إذا تم الترتيب لرحيل الأسد، فإنه سيكون من الممكن العمل على شن هجوم عسكري مشترك على «داعش»، يضم النظام والروس والأكراد، وتحالفاً بقيادة أميركا. والأمل معلق على أن يبدي الروس استعداداً لتسليم الأسد، مقابل اعتراف الغرب بدورهم في سوريا، كما يتمنون.

ويشكل مصير الأسد، الإشكالية الأكثر تعقيداً التي تواجه الدبلوماسيين الذين يحاولون مناقشة الأوضاع في سوريا للتوصل إلى تسوية سلام من جنيف. علماً بأن عدداً من التناقضات والمماحكات تسود محادثات السلام، حيث يبدو أن بعض الأطراف الإقليمية لا تشارك أميركا أهدافها في سوريا. وتشكل هزيمة الأكراد، الذين تعتبرهم أميركا الحليف الأقوى في سوريا، هوس الأتراك الأول.

ومن الصعوبة بمكان، أن تشهد العلاقات الروسية الأميركية تجزئة تتوزع على التعاون في ما خص شؤون منطقة الشرق الأوسط، والمواجهة في بعض مناطق أوروبا الشرقية، في ظل توقعات بمزيد من التصعيد، على خلفية شبه المواجهات في بحر البلطيق. غير أنه في قلب أزمة أوكرانيا، تمكنت واشنطن وموسكو من العمل معاً، بشأن التوصل إلى اتفاق نووي مع إيران.

وعلى الرغم من العداوات وانعدام الثقة، لا بد لروسيا وأميركا من إيجاد سبيل مشابه للعمل يداً بيد، على إحلال السلام في سوريا وهزيمة «داعش»، ذلك أنه بغياب التعاون الأميركي الروسي، لا يمكن لسوريا، إلا أن تتوقع سنوات كثيرة مقبلة من المآسي والموت.