ما لبثت أخبار تحرير مدينة تدمر المصنفة ضمن قائمة التراث العالمي في اليونيسكو، من يد تنظيم «داعش» تتواتر، حتى انهالت العروض من كل حدب وصوب لترميم الآثار المدمرة.
وقد أبدى بعض علماء الآثار الألمان رغبةً في إعادة بناء معبد بل البابلي، وأعرب فريق فرنسي عن رغبته القيام بأعمال حفر وتنقيب جديدة. واقترحت مبادرة أنغلو أميركية من لندن مبادرة تكشف قدرات التكنولوجيا الرقمية في إعادة الإعمار، من خلال اللجوء إلى عمليات الطباعة ثلاثية الأبعاد، لإنتاج نسخةٍ من قوس النصر، الذي دمره التنظيم وقد انتصب القوس في ساحة الطرف الأغر ببريطانيا قبل انتقاله إلى نيويورك. كما أبدى علماء آثار في بولندا واليابان المعروفين باهتمامهم بآثار تدمر، حماسة للمشاركة في المشروع.
ولا يمكن القيام بالعمل الجبار إلا من خلال جهد دولي مدروس، كما لابد للعالم قبل أن يفكر في تطبيق أي من تلك المخططات المثيرة للاهتمام أن يتذكر بأن تدمر كانت مسرح جرائم. والحري السماح أولاً بدخول الجهات التي تستطيع التعرف على المعتدين، منفذي أعمال التخريب، على أمل تقديمهم للعدالة.
وقد اجتمع، أخيراً، عدد من الحكام والدبلوماسيين وعلماء الآثار وبعض أصحاب المصالح في إحدى كليات جامعة أكسفورد البريطانية للتباحث بشكل صريح حول منشأ أعمال النهب والتدمير غير المسبوقة للمواقع الأثرية العالمية، وإيجاد حلول لها. وتم تذكيرنا بأنه في حين يتركز الاهتمام الإعلامي على تدمر، تخضع مواقع أخرى في شمالي إفريقيا والشرق الأوسط للتدمير على نحو متقلب.
وكشفت صور التقتطها أقمار صناعية لأماكن أثرية مقفرة المواقع الأصلية حيث كانت تتواجد الآثار، في حين تغرق الأسواق قطع أثرية مهربة بطرق غير شرعية.
ويتيح قانون روما الصادر عام 1998، الذي أنشئت بموجبه المحكمة الجنائية الدولية باعتبار تدمير التراث جريمة حرب. وقد أصدر مدعي عام المحكمة الجنائية الدولية الخريف الماضي مذكرة توقيف بحق أحمد القفي المهدي لضلوعه عام 2011 في تدمير أضرحة تعود للعصور الوسطى، من ضمنها مسجد وأضرحة تعود للقرن الخامس عشر في تمبكتو بمالي.
ويشكل هذا حتماً سابقة لتدمر، حيث مقاطع الفيديو التي تصور أعمال التدمير التي قام بها «داعش» تزود المحكمة بالأدلة الدامغة التي تحتاجها لتحديد هوية المعتدين وملاحقتهم قضائياً.
ويذكر فيما يتعلق بتدمر، أن الأدلة قد تكون كثيرة ومتوفرة، والوصول إلى موقع الجريمة متاحاً والحاجة لحماية الإثباتات واضحة، إلا أن سوريا ليست في عداد الدول الموقعة على قانون روما. ويعني ذلك أن المحكمة الجنائية الدولية لا يسعها البدء بتحقيق إلا إذا طلبت سوريا نفسها ذلك، أو أحال مجلس الأمن القضية إلى المحكمة.
ويعتبر كلا السيناريوهين غير مرجح، إذا تضمنا وضع البلاد بأسرها بعهدة السلطة القضائية للمحكمة الدولية. وقد أدت خمس سنوات من الحرب الأهلية في سوريا إلى ارتكاب جرائم أشد فظاعةً من تخريب تدمر. ولن يوافق نظام الرئيس السوري بشار الأسد أو روسيا، حليفه الرئيسي، على إجراء تحقيق مفتوح في تلك الجرائم، نظراً لما قد تفضي إليه من إدانة حتمية للأسد.
إلا أن إحالة ملف محصور بتدمر يسمح بإجراء التحقيق في كل من الجرائم المرتكبة بحق الإنسانية وتلك التي بحق التراث الثقافي في إطار زمني ومكاني محددين، أمراً ممكناً بالتأكيد يمكنه إيجاد الصيغة المناسبة للتعاون الدولي.
مسوغات
يغدو الوضع أكثر مأساوية حين ندرك وجود مسوغات قانونية للوقاية والعلاج. في فبراير 2015، أقر مجلس الأمن في الأمم المتحدة مشروع قانون رقم 2199، يدين تدمير التراث الثقافي، وينص على إجراءات قانونية ملزمة لمناهضة الاتجار غير الشرعي بالقطع الأثرية والأدوات الثقافية في كل من سوريا والعراق.

