دخلت اتفاقية وقف إطلاق النار في سوريا حالة من الموت السريري على وقع خطب المروجين، على رأسهم الرئيس الأميركي باراك أوباما. وقد تجدد القتال العنيف في أنحاء عدة من البلاد، بما فيها جنوب حلب ومحافظة اللاذقية وأحياء دمشق. أما المساعدات الإنسانية فقد توقفت بالكامل تقريباً. وتسببت الغارات الجوية بمقتل عشرات المدنيين في بلدتين في محافظة إدلب الخاضعة لسيطرة المعارضة.

وقال رئيس وفد المعارضة في جنيف بأنه لن يعود إلى طاولة محادثات السلام برعاية الأمم المتحدة إلى أن توقف الحكومة اعتداءاتها، وتسمح لقوافل المساعدات بالوصول إلى المناطق المحاصرة.

وجاء رد أميركا على المذبحة المتجددة بالإشارة بشكل ضعيف إلى أن الحرب لم تشتعل مجدداً في المناطق السورية كافة، وقال جون كيربي المتحدث الرسمي باسم وزارة الخارجية الأميركية: «بات عدد أكبر من المواطنين السوريين يعيش أوضاعاً أفضل من ذي قبل بفضل وقف إطلاق النار». ويبدو، لسوء الحظ، أن هذا كل ما في جعبة أميركا بما أن أوباما قد رفض اتخاذ خطوات كإنشاء مناطق حظر جوي للاجئين، أو مضاعفة المساعدات لمقاتلي المعارضة.

كما أن أميركا لا تملك النفوذ على نظام الرئيس السوري بشار الأسد، وحلفائه الروس والإيرانيين.

أضف إلى ذلك، أن النظام عمل على التصدي لقوافل المساعدات الإنسانية وجرد بعضاً من تلك التي سمح لها بالدخول من المعدات الطبية الأساسية، في انتهاك مباشر لقرار مجلس الأمن في الأمم المتحدة رقم 2254، الذي يرسي بنود اتفاقية وقف إطلاق النار. وأشار مسؤولون في الأمم المتحدة في الآونة الأخيرة إلى أن عمليات المساعدات لم تتخطَ الأربع خلال الشهر الأخير، وأن أقل من واحد في المئة من المدنيين المحاصرين تمكنوا بالتالي من تلقي المعونات.

وفي جنيف رفض المفاوضون التابعون للنظام بشكل حاسم بنود مجلس الأمن المتعلقة بإرساء التسوية، التي تبدأ بتشكيل حكومة انتقالية، في حين أعلن رئيس الوزراء السوري من دمشق صراحة عن تحضيرات تسير على قدم وساق «مع شركائنا الروس»، كما قال، «من أجل تحرير» أجزاء حلب التي تقع تحت سيطرة قوى المعارضة، ما قد يتطلب شن جولة جديدة من الاعتداءات وأشهر طويلة من الصراعات الدموية.

أما روسيا التي تصور نفسها على أنها الراعي المشارك للولايات المتحدة في اتفاقية وقف إطلاق النار، فلم تقدم على أي خطوة من شأنها كبح جماح نظام الأسد، بل وعلى العكس من ذلك، فقد واصلت مقاتلاتها تقديم الدعم الجوي إلى قوات الحكومة في ريف حلب، وذلك بعد مرور أسابيع عدة على «انسحابها» في عرض متباه أعلن عنه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين.

وأعلن البيت الأبيض، أخيراً، أن أوباما قد تباحث في مكالمة هاتفية مع بوتين حول انهيار اتفاقية وقف إطلاق النار. وأشار بيان صادر في هذا الصدد إلى أن الحديث الثنائي غطى كل الموضوعات الرئيسة بما في ذلك «أهمية ممارسة الضغوط على الأسد لوقف الأعمال العدائية ضد المعارضة»، كما تطرق الطرفان إلى الضرورة الملحة لوصول المساعدات الإنسانية والحاجة الماسة للمضي قدماً نحو حل سياسي، إلا أنه لم تتم الإشارة إلى أن بوتين قد أعطي أي حوافز للتعاون بشكل إيجابي، ولم يظهر سوى حسن نوايا. وإذا استمر الوضع على هذا النحو فستبقى اتفاقية وقف إطلاق النار في حالة الموت السريري.

عدوان

لقد أمعن نظام الأسد في خرق اتفاقية وقف إطلاق النار، منذ أن انطلقت في أواخر فبراير الماضي، كما أنه واصل شن عدوانه على مناطق استراتيجية طالت عدداً من أحياء العاصمة دمشق، ومحيط محافظة حلب، التي يتقاسم السيطرة على أجزاء منها كل من قوى المعارضة والقوات التابعة للحكومة.