لم تتعاف مــــدينة الفلوجة يوماً من الحرب التي شنتها الولايات المتحدة في العراق، ولا يمكن القول إنها منحت الفرصة يوماً لكي تحقق هذا التعافي المنشود.

كانت هذه المدينة المتربة، متوسطة الحجم، في غرب العراق بؤرة للصراع دوماً، ونقطة تركيز القوات الأميركية في العراق. ودارت على أرضها معركتان دمويتان كبيرتان ضد تنظيم القاعدة في العراق في عام 2004.

وحتى بعد سنوات من ذلك، وفي أوقات اتسمت بالهدوء النسبي، نظرت الفلوجة إلى الغرباء بعين الريبة والعداء.

ونتيجة لذلك ليس مستغرباً كثيراً أن تكون السلطات في بغداد وواشنطن قد تغاضت تقريباً عن المدينة التي أصبح لها تحت سيطرة تنظيم «داعش» مدة أطول من أي مدينة أخرى في العراق. سقطت الفلوجة في اليوم الأخير من عام 2013، وتسلل تنظيم «داعش» إلى الرمادي، عاصمة محافظة الأنبار القريبة، حدث في الوقت نفسه تقريباً، غير أن الرمادي تم تحريرها أخيراً بمساعدة الأسلحة والضربات الجوية الأميركية.

وأبعد شمالاً، استولى «داعش» في صيف عام 2014 على تكريت، مسقط رأس الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين، وعلى سنجار النائية، كما سقطت الموصل، ثاني أكبر مدن العراق في الفترة نفسها.

ويستعد حالياً الألوف من عناصر القوات العراقية والمقاتلين الأكراد لاستعادة الموصل، بمساعدة من قوة النيران الأميركية وقلة من الجنود الأميركيين، بينما تتضور الفلوجة جوعاً، بكل معنى الكلمة، وتشتد بها الحاجة إلى تحرك عسكري.

محاصرة السكان

أخيراً، توصل تقرير لمنظمة «هيومن رايتس واتش»، إلى أن إخفاق قوات الحكومة العراقية في مواجهة «داعش» في الفلوجة، أدى إلى محاصرة سكان هذه المدينة عملياً. واستحالة توريد الغذاء إليها أدى إلى ارتفاع حاد في الأسعار، حيث تقدر كلفة الكيس من الطحين بـ750 دولاراً، بالمقارنة مع 15 دولاراً في بغداد التي تبعد عن الفلوجة أقل من مسيرة ساعة بالسيارة شرقاً، وفقاً لما ذكرته المنظمة. ويصنع الناس في الفلوجة الحساء من العشب من أجل البقاء.

وعلى الرغم من القلق الذي يساور وزارة الخارجية الأميركية والبنتاغون حول الفلوجة، فإنهما لم تفعلا شيئاً يذكر للمساعدة على تحريرها. ويعترف مسؤولون أميركيون رفيعو المستوى بأن تركيزهم منصب على الجوائز الكبرى: الموصل التي تشكل معقل تنظيم «داعش» في العراق، والرمادي التي تعد ساحة معركة رمزية باعتبارها عاصمة المحافظة، وسنجار حيث تم ذبح الكثيرين من الأقلية الإيزدية.

وأثناء وجوده في بغداد، أخيراً، أشار وزير الخارجية الأميركي جون كيري، إلى أن القوات العراقية كسبت أراضي من تنظيم «داعش»، وشدد على أن الجماعة المسلحة التي كانت تعرف سابقاً باسم القاعدة في العراق، أصبحت مطاردة، وفي حالة فرار. لكنه، وفقاً للمحاضر، لم يذكر مرة واحدة في تصريحاته العلنية العديدة ذلك اليوم، مدينة الفلوجة التي لم يجر التصدي فيها لداعش جدياً.

وقال كيري في خطاب ألقاه في السفارة الأميركية في بغداد مستخدماً التسمية العربية للتنظيم، إن «داعش في موقف دفاعي، وهذا الأمر واضح، لكن قدرته على إلحاق الضرر تبقى قائمة للأسف، وهذا صحيح أيضاً. ونحن نأخذ على محمل الجد التهديد الذي ما زال يشكله»، مضيفاً أن واشنطن تشاطر رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي أهدافه في تحرير الموصل «بأسرع وقت ممكن»، معلناً عن منحة جديدة بقيمة 155 مليون دولار في إطار المساعدات الإنسانية للعراق، من مجموع 780 مليون دولار منذ عام 2014.

محنة الفلوجة

ويرى الكولونيل الأميركي المتقاعد أنتوني دين، أن: «محنة الفلوجة المستمرة، حتى في ظل تحرير المدن المحيطة بها، تعزز التصورات بأن حكومتي بغداد وواشنطن لا تعيران أوضاعها أي اهتمام». ويضيف دين، وهو مؤلف كتاب «الرمادي غير مصنفة: خارطة طريق إلى السلام في أخطر مدن العراق»، ويقول: «كانت الفلوجة دوماً قلب السنة.. ولا يوجد شيء في الفلوجة إلا مجموعة صغيرة من أهل السنة المستائين من الحكومة العراقية، ولو كان المسؤولون العراقيون جادين بشأن حكومة تمثل كل فئات الشعب العراقي، لتوجهوا لتحرير الفلوجة».

قد يتصف هذا التقييم للوضع بالقسوة، لكنه لا يقل قسوة عن الصور التي تصل من الفلوجة، وهي تتضور جوعاً.

صميم الأزمة

تولى حيدر العبادي رئاسة الوزراء في العراق في سبتمبر 2014، في أعقاب استقالة سلفه نور المالكي. وفي ظل حكومة المالكي، فإن السنة في العراق الذين تقدر نسبتهم بنحو 20% من مجموع سكان البلاد، شعروا بالتهميش من السلطة أكثر من غيرهم، وهذا أدى إلى صعود «داعش» الذي كان يتغذى على الإحباط السني، والذي سرعان ما أبعد جماعات بأكملها عن حماية الحكومة.

يقول الكولونيل المتقاعد أنتوني دين الذي ساعد القوات الأميركية في إقناع المليشيات العراقية في الأنبار بتحويل الدفة ضد القاعدة في العراق عام 2006، فيما سمي حينها «مجالس الصحوة»: «هذا يقع في صميم أزمة الفلوجة».