استوقفتني، خلال قراءتي السيرة الذاتية للجنرال والقائد السياسي الروماني سولا، عبارتان، قال فيهما المؤرخ جورج فيليب بيكر: «هناك بعض الأنظمة التي تسحب بشكل تلقائي السلطة من يد خيرة الرجال. حتى إن هناك بعضها يقتضي بالضرورة وضعها في أيدي الأشخاص السيئين».

وأعادتني تلك الملاحظة من روما، إلى الحملة الرئاسية الأميركية الحالية. كيف وصل بنا الأمر إلى تنافس خمسة مرشحين سمجين على رئاسة الولايات المتحدة؟، فهل يوجد في اختيار المرشحين ما يحتم بروز غير المتميز وإعلاء شأن المبتذل؟.

ويصعب كثيراً إيجاد من يتحدث عن الانتخابات التمهيدية الأميركية بحماسة. فالديمقراطيون الجديرون بالازدراء، والأكاديميون المؤمنون بالمساواة، لا يستطيعون إيجاد ما يمدح هيلاري كلينتون. في حين أن فئة الشباب مأخوذة بوضوح بالاشتراكي العجيب، بيرني ساندرز، دون أن تدرك أنه ليس سوى نسخة رقمية محسنة مكررة لفترة الثلاثينيات.

أما على الجانب الجمهوري، فيستفيض المرشح جون كازيتش بالحديث عن إنجازاته، وموازنته للميزانية القومية، وعمله الرائع مع كل أطياف الكونغرس، ومساعيه الكبرى في أوهايو للقضاء على «داعش»، على نحو يثير، رغم عدم إدراكه، اشمئزاز الناخبين الذين يريدون أن يحبوه.

أما تيد كروز، فيشكل نموذج الرابح النقيض، ويبدو حسن الهيئة، بالمقارنة مع المرشح دونالد ترامب فقط. ويبقى ابتذال ترامب شيئاً لا يضاهيه شيء، ولا أعني هنا قذارته وحسب، بل المستوى المبتذل لخطابه وأفكاره ومشاعره. لقد وصلت الأمور مع ترامب إلى مستويات من الدناءة غير مسبوقة، بحيث لا يخفي بعض الجمهوريين القدامى، أنه في حال انحصرت الانتخابات بين كلينتون وترامب، فإنهم سيمنحون أصواتهم مرغمين لهيلاري. لم تعد النخبة تجذبها السياسة، وباتت تنأى بنفسها لما يشكله من تحقير لقدرها الارتباط بالحياة السياسية المعاصرة، تحقير يشكل الإعلام والإنترنت أدواته الأساسية.

لقد ساهم حلول الإنترنت في زيادة الأمور سوءاً، لا سيما أنه لا ضوابط أو معايير أخلاقية تحكمه، وحيث يمكن لأي كان قول أي شيء، وهذا ما يفعله.

وحدهم الأشخاص المستعدون لتحمل جلد السياط المرافق للترشح للرئاسة هم فقط أصحاب الطموح الكبير الذي يكون عادةً فارغاً. وبات ينظر المرء إلى هيلاري كلينتون، ويقول لنفسه، كم هو مرهق بالنسبة لها بالتأكيد، ويوماً بعد يوم، تجادل وتناظر في شؤون تتعلق بالعدالة والمساواة وحقوق المرأة، وهي أمور أمعنت في ازدرائها هي وزوجها على صعيد الحياة الخاصة.

كيف وصلت بنا الأمور إلى هنا؟، لقد أسهمت الإنترنت ووسائل الإعلام من ورائها بطرق غير واضحة تماماً، إنما مثبتة بتأمين، إن لم يكن المساعدة في إيجاد هذا المستوى المتدني من نطاق وحس الاهتمام الوطني بالتعقيد. ويصعب اليوم، جذب اهتمام شريحة واسعة من الجماهير إلى ما يعدو الفضيحة، التي كان الخطاب السياسي الجدي أول ضحاياها منذ زمن، ولحقته اليوم الدماثة. ومن المحتمل أن تكون عواقب تلك الخسائر، أبرز ملامح السباق الانتخابي بين ترامب وكلينتون، في سابقة، أنصح الأجيال الشابة بعدم مشاهدة مجرياتها.

أهون الشرين

لا يعني ذلك أن عالم السياسة ما قبل ترامب، كان في أرقى مستوياته، وأعتقد أنه لعدة سنوات، اليوم لم يمنح الناخبون أصواتهم بحماسة لمرشحي النظام المتوفرين. وقد اعتادوا في حال حوصروا بين خيار الحزبين، أن يختاروا أهون الشرين. وتحتاج الحملة الرئاسية الحالية، لمقابل سياسي موازٍ لعداد غايغر لكشف مكامن أهون الشرين.