تبدو الحرب في العراق في بعض الأحيان، بعيدةً وتجريدية، في ظل توسع رقعة اعتداءات إرهابيي «داعش» في أوروبا، ومسألة اللاجئين السوريين، والتدخل الروسي في سوريا، التي تتصدر الأخبار الإعلامية والاهتمام الجماهيري.
أما التقدم العراقي بطيء الوتيرة في الأنبار، والاقتتال الذي يحصد مدينة تلو الأخرى بلا نهاية، كما يبدو، فلا يأتي ذكره إلا على نحو عابر، علماً بأن لبّ المساعي الأميركية ضد التنظيم، تتركز في العراق، الذي تعتمد هزيمته على نجاح أميركا في إعادة بناء الجيش العراقي وقدراته لدحر «داعش» عن أراضيه.
عملت أميركا تدريجياً، على وضع أسس مهمة التدريب والمساعدة التي قد تزود قوات المشاة العراقية بالقدرات التي تحتاجها، إلا أنها لم تبدأ غاراتها الجوية الأساسية ضد «داعش»، إلا في 8 أغسطس 2014، حيث إنها شنت حتى اليوم 11,398 غارةً، منها 7,683 في العراق، و3,715 في سوريا، بكلفة تخطت 6.5 مليارات دولار.
تهديد خطير
وتتجلى الأسباب التي دفعت أميركا لاستئناف دورها القتالي في العراق، واضحةً للغاية، فتنظيم «داعش» يعد من الحركات السياسية الأكثر قسوةً وعنفاً في التاريخ، ومصدر الإرهاب في العالم، وقد انتشر في دول عديدة، وبات يهدد مركز صادرات النفط الأساسي في العالم، ومعه استقرار الاقتصاد العالمي. ويشكل هذا تهديداً لأصدقاء أميركا وحلفائها في المنطقة، وكل دولة ونظام معتدل.
ومن المهم أن نتذكر أنه لا يمكن الفصل بين الحرب في سوريا والعراق، حيث المأساة الإنسانية في كل من البلدين تتزايد. سيطر التنظيم في يونيو 2014 على الموصل، ثاني أكبر مدن العراق، التي يقارب عدد سكانها مليونين ونصف المليون نسمة، وشرد حوالي مليون شخص، وحوّل الحياة فيها إلى جحيم. والحقيقة أن غالبية الأشخاص الذين عانوا من التنظيم، يتركزون في العراق، حيث إن لبّ مشكلة اللاجئين السوريين والضحايا السوريين المدنيين، سببهما نظام الرئيس السوري بشار الأسد.
لم يسبق للجيش العراقي أن كان في مقدم المعارك قبل مغادرة القوات الأميركية للعراق في نهاية 2011. وقد عانى إلى حد شبه قاتل، من التدخلات السياسية والفساد، في ظل رئيس الحكومة العراقي السابق نوري المالكي، وتشظى في مواجهة اعتداءات «داعش». من الصعوبة بمكان، بناء جيش، ومن السهل جداً على القادة السياسيين الطامعين هدمه.
لكن الإدارة الأميركية اختارت متأخرةً جداً، القيام بمسعى لا يقدم الكثير لتفادي وقوع ضحايا أو التورط في الوحول. وأسفرت جهودها عن خوضها عملية بطيئة ومؤلمة لزيادة حجم ودور مهمة التدريب والمساعدة، اقتربت من المستوى الذي أوصى به العديد من المستشارين العسكريين منذ البداية.
التورط الصعب
وأسهمت هذه العملية البطيئة حتماً، في عرقلة التقدم العراقي، وأضافت إلى حجم المعاناة في كل من العراق وسوريا، لكن الإدارة الأميركية، بدت مدركة حتمية «التورط في الوحول» إلى حد ما، وضرورة وجود المستشارين للمساعدة على تحديد شكل القدرة القتالية للعراقيين، وللتأكد من فعالية الدعم الجوي الأميركي. وليست الأخبار الواردة في التقارير الإعلامية حول إمكانية زيادة أميركا لعدد قواعدها الحربية في العراق، سوى مؤشر على استعدادها اليوم للتحرك بالمستوى الذي كان يجب أن تختاره منذ البداية. ولا تزال التفاصيل، على غموضها وندرتها، تشير إلى أن التأخير في القيام بالخطوة لن ينجح، حين ينتقل القتال إلى الموصل، ويجعل «داعش» من العراق مركزه الأساس.
ويتطلب تحقيق النصر أيضاً من الجيش الأميركي، تقديم المزيد من التضحيات، وقد سبق أن سقط بعض الضحايا، بالتوازي مع تقدم المستشارين الأميركيين، علماً بأن العدد يعتبر قليلاً حتى الآن. وسيضرب «داعش» ضربته ضد الوجود الأميركي حيثما استطاع، وكلما شعر بمزيد من التهديد، وبالمقابل، ستواجه أميركا مخاطر الإرهابيين.
إلا أن البديل عن التضحيات، سيتبلور على شكل توسيع الإطار الزمني الذي ستستغرقه هزيمة «داعش»، تفشي نطاق التهديد الإرهابي في أميركا وأوروبا، وللحلفاء الإقليميين، وارتفاع أعداد اللاجئين والمدنيين الأبرياء، وزيادة معاناتهم. وسيشكل الحضور الأميركي، ولو كان محدوداً، فارقاً حيوياً على الصعيدين الاستراتيجي والإنساني.
خيارات
اختارت أميركا ألا تنشر وحدات قوات المشاة الرئيسة، نظراً للمشكلات التي واجهت نشر القوات الأميركية في دول تعاني من توترات إثنية وطائفية، وتأثير قوى خارجية . إلا أنه من الواضح أن العراق لن يتمكن من هزيمة «داعش»، أو إيجاد شكل من أشكال الاستقرار والأمن، بغياب مهمة «تدريب ومساعدة» أميركية أساسية، لمدّ يد العون للجيش العراقي. كما يبدو واضحاً أيضاً، أن الأمن والاستقرار لن يحلا في سوريا، إلا حين يخسر «داعش» قاعدة قوته في العراق.
أدركت الإدارة الأميركية، الحاجة لبرامج التدريب والمساعدة على الأرض بشكل محدود، حين بدأت إعداد مراكز التدريب كخطوة لإعادة بناء الجيش العراقي.

