ها هي موسكو تطل على ساحة تغيير النظام العالمي، وفق ما طالعنا به الجنرال بريدلوف، القائد العسكري لقوات منظمة حلف «ناتو». وقد صنف الجيش الأميركي، روسيا، على أنها التهديد الأكبر لأميركا، وقامت وزارة الدفاع الأميركية، رداً على هذا التهديد، بزيادة عدد قواتها ودروعها ودباباتها في أوروبا الشرقية، وتعمل على دفع مبلغ إضافي يصل إلى 3.4 مليارات دولار لتحقيق تلك الغاية.

إلا أن الرئيس الأميركي، في هذه الأثناء، يعتبر أن روسيا «منهكة ومستنزفة» في سوريا، وأن اقتصادها يتقلص «بشكل جذري»، فيما لا يقيم الآخرون اعتباراً للدولة، بوصفها «قوة عظمى جوفاء»، لا تملك استراتيجية حقيقيةً خلف مغامراتها وراء البحار.

فأي من المشهدين صحيح يا ترى؟ كلاهما. إذ إن الاقتصاد الروسي يشهد تقلصاً بالفعل، ومؤشر الفقر يرتفع. وتُعتبر، في ظل غياب الإصلاحات الواسعة والجذرية، التي لا يتوقع سوى القلة إجراؤها في عهد بوتين، أن فرص سيد الكرملين ضعيفة، وهو قد يبقى شرعياً في موقعه لسنوات مقبلة، ويرأس حالة الكساد من قصره، ويحافظ كشكل من أشكال التعويض على موقف عدائي في الخارج. إلا أن بوتين قد أبلى بشكل أفضل من أميركا، في ضوء ميزانية اقتصادية ودفاعية، تعادل جزءاً من ميزانيتها، وذلك أثناء شغله موقع السلطة قرابة عقدين من الزمن. كما أنه قد نصّب نفسه على خط العداء لحلف «ناتو» أيام الاتحاد السوفييتي السابق، واتخذ موقع صانع الصفقات في الشرق الأوسط.

وقد نمت طريقة قيادته الأوضاع في سوريا، عن بطش ومهارة وعزم ودقة في الحكم على الأمور. متجاهلاً وحشية الرئيس السوري بشار الأسد، ومستغلاً غياب أميركا وأوروبا الممتنعتين عن التدخل في الصراع، ملأ بوتين الفراغ، ونشر قواتٍ جوية غيرت مسار الحرب. ومن ثم، أعلن انسحابه من المشهد، لكنه أبقى الباب مفتوحاً أمام عودةٍ محتملة.

أظهرت حرب سوريا أن روسيا تملك جيشاً قادراً، واستعداداً لاستخدامه، إذا سنحت الفرصة. فهل يشكل هذا مؤشراً على أن موسكو أطلقت عصراً جديداً من نزعة المغامرة العسكرية؟ لا، لأن بوتين قد تحدى الخطوط الحمر لـ «ناتو» دون أن يتجاوزها.

لكن ماذا عن الخطوة اللاحقة؟ سيلجأ بوتين على الأرجح لتحدي «ناتو» في البلطيق، لكن ليس عسكرياً. ذلك لأن لديه أداة عمل مختلفة هذه المرة، متخصصة بتقويض تماسك الحلف وثقته بنفسه بشكل مضمون، من دون إشعال فتيل الردّ المسلّح.

أما الحديث عن أن المشكلات الاقتصادية قد تقف عائقاً في طريق الكرملين، وأن العقوبات ستجبر روسيا على الانسحاب من أوكرانيا، وتبني موقف مذعن، فيثبت عدم صوابيته. فصورة روسيا الضعيفة والمنكفئة عن الساحة الدولية، وتركيز النخبة الحاكمة على الاستقرار الاقتصادي، كوسيلة للبقاء السياسي، صورة مغلوطة أيضاً.

لموسكو اليوم طموحات أكبر، ومصادر أكثر، واستعداد لردّ تحدي الأعداء لها. هذا هو ما فعله بوتين في روسيا، ومن الحكمة بمكان، التوقع بأنه سيعيد الكرة.

العقدة والحل

سجلت روسيا، على نحو أشمل، عودة إلى الشرق الأوسط، واحتلت قلب شبكة معقدة لا تضم سوريا فقط، بل كافة الأطراف الضالعة بشكل مباشر أو غير مباشر في صراع أكبر في المنطقة، بما في ذلك أميركا وأوروبا. لا يمكن لموسكو حلّ عقدة الشرق الأوسط، لكن لا يمكن للأمور أن تحلّ اليوم من دونها.