أقر جون كيربي، المتحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية، عقب إعادة سيطرة الجيش السوري على تدمر وانتزاعها من يد تنظيم «داعش»، بأن تحرير المدينة القديمة «أمر جيد». إلا أنه لم يستطع إلا أن يضيف: لكننا نعي كذلك أن الأمل الأكبر لسوريا والشعب السوري لا يكمن في توسيع قدرات الرئيس السوري بشار الأسد لقمع شعبه.
ويأتي هذا التصريح متناغماً تماماً مع الموقف السياسي الذي اتخذته أميركا منذ وقت طويل، القائم على السعي للقضاء على «داعش» ونظام الأسد في وقت واحد. إلا أن ذلك لم يكن إلا نوعا من التفكير بالتمني، سيما أن أميركا كانت مصممة تماماً على عدم توريط جنودها في قتال بري في إطار الصراع السوري.
ولو كان الجيش السوري قد انهار فعلاً، لاختفى كل سبب يحول دون سيطرة التنظيم وبقية القوى المعارضة مثل «جبهة النصرة» على البلاد بأسرها. كما كان يمكن أن تتقاتل الأطراف نزاعاً على السلطة، لكن سوريا حتماً كانت ستخضع في النهاية لحكم المتطرفين المتشدد.
إلا أن العكس ليس صحيحاً، فإعادة إحياء الجيش السوري وحتى إعادة سيطرته على تدمر، لا تعني أن نظام الأسد بمقدوره القضاء على «داعش»، ناهيك عن إعادة السيطرة على سوريا ككل. كما أن روسيا لا تملك أية نية لمساعدة الأسد لتحقيق مثل هذا الهدف الطموح، وفق ما أعلنته موسكو عند سحب غالبية مقاتلاتها من سوريا قبل بضعة أسابيع.
التحرك الروسي
وقد كانت استراتيجية روسيا في سوريا أكثر تواضعاً وواقعيةً منذ البداية، وتمثلت بإنهاء مأزق الجيش الذي استمر حتى ربيع 2015، وإقناع ما تبقى من جماعات المعارضة غير المتشددة بأنها لا تحظى بفرصة الوصول إلى السلطة بأي طريقة، سيما عقب انتصار المتشددين على الأسد.
وعمد الروس إلى قصف جميع القوى المعارضة على نحو عشوائي، دون التمييز بين المتشددين والقوى المتحالفة معهم، فيما أدانت أميركا كعادتها الاعتداءات على المتحالفين، وأمعنت في تسميتهم بالمعتدلين، إلا أن الروس تجاهلوا الأمر بالكامل.
وبعد مرور خمـــسة أشهر، واقتناع معظم «المعتــــدلين» بأنهـــم لن يتمــكنوا من الوصول إلى السلطة من خلال التحالف مع القوى المتشددة، طرحت موسكو وقف إطــلاق النار في اتفاقية تضم «المعتدلين» وتستثني المتشددين. ومضى على اتفاقية الهدنة ما يزيد على شهر.
ولا يزال المفاوضون الذين يمثلون مجـموعات «المعتدلين» يطالبون برحيل الأسد عن السلطة كثمن لوقف دائم لإطلاق النار، ومع أنهم لم يتوصلوا إلى تحقيق مثل هذه الصفقة، فلا يزال الروس يمارسون الضغوط على الأسد للتوصل إلى صيغة شفهية تتمكن، بغض النظر عن مدى وضوحها، من إقناع «المعتدلين» بالقبول بمبدأ العفو، وتتيح له استعادة شعبيته بما يحفظ ماء الوجه.
ولن يتعرض المتشددون، على الرغم من محاصرتهم إلى حدّ بعيد، لهزيمة عسكرية في وقت قريب، إلا أنهم يصبحون أكثر وهناً، وقد ينحدرون إلى مستوى الاقتتال فيما بينهم.
أما الأكراد السوريون، الذين يشكلون الحليف الوحيد لأميركا في سوريا، فسيتــــمكنون على الأرجح من الحفاظ على السيطرة على المنطـــقة التي يسيطرون عليها بمــحاذاة الحدود مع تركيا. إلا أنهم سيضطرون علـــى الأرجح إلى العمل على إقامة «مـــحافظة مستقلة» لهم ضمن سوريا، إذا أرادوا تفادي الاجتياح التركي.
تمثل هدف الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بعزل المتشددين والتوصل إلى تسوية مع بقية المعارضين لنظام الأسد، وهو ما يعتبر قيد الإنجاز اليوم. لن تكون النهاية سعيدة بالنسبة لأي من الأطراف الضالعة في الحرب الأهلية في سوريا، لكنها على الأقل محصلة يمكن تصورها على أرض الواقع.
لن تتمكن الاتفاقات من إنهاء كافة الصراعات على الأراضي السورية، ولن يرغب جميع المهاجرين بالعودة إلى وطنهم، في ظل استمرار أعمال الإرهاب، التي من المرجح أن تستمر حتى بعد القضاء على تنظيم «داعش»، حيث ان التخطيط لاعتداءات إرهابية لا يتطلب وجود دولة.
حين لا يكون النصر الحاسم ممكن التحقيق لأي من أطراف الصراع، من المنطقي الحدّ بأكبر قدر مستطاع من أعمال القتل.
