في موسم انتخابي يعج بالتصريحات الصارخة، برز تصريحان، كانا الأكثر إثارةً للحيرة، دون أن ينالا إلا حيزاً ضئيلاً من الاهتمام. وليس من المدهش أنهما جاءا على لسان المرشح الجمهوري الأوفر حظاً، دونالد ترامب، الذي قال أخيراً إن أميركا «باتت بلداً فقيراً اليوم»، وإن «ركوداً هائلاً سيحل بها قريباً».

ويندرج كلا التصريحين في فئة التصريحات موضع التساؤل، حيث لا تزال الولايات المتحدة تملك أكبر إجمالي للناتج المحلي في العالم، بفارق مريح عن الصين، وتظهر إحصاءات البنك الدولي، أن إجمالي الناتج المحلي الفردي، يفوق بمراتب نظيره في ألمانيا. كما تبين في استطلاع أخير أجرته صحيفة «وول ستريت جورنال»، لآراء الاقتصاديين، أن معدل خطر الركود يصل إلى 20 في المئة فقط في العام المقبل.

حملة يشوبها التشاؤم

تؤكد التقييمات المحبطة الأخيرة، إحدى الحقائق الكبرى التي تمخضت عنها حملة 2016 الانتخابية حتى اليوم، والمتمثلة بالتراجع الحاد في روح التفاؤل الأميركية التقليدية.

ويحلو للأميركيين تاريخياً، الاعتقاد بأنهم يتمتعون بنظرة مشرقة، وتفاؤل يشير إلى أنه على الرغم من المشكلات القائمة، ستظل الحياة في ظل الديمقراطية الأكبر في العالم، أفضل لأولادهم وأحفادهم. وعادة ما كانت تنعكس هذه الروح في خطب الحملات الانتخابية الزاخرة بالآمال والازدهار.

إلا أن الوضع مختلف هذا العام، بعد أن أزيح عن جدول الانتخابات، المتعهدين الجمهوريين الأبرز في طرح تلك الرؤية المتفائلة، وهما حاكم فلوريدا السابق، جيب بوش، والسناتور ماركو روبيو، في حين يحاول حاكم أوهايو، جون كازيتش إبقاء شعلة الأمل، على الرغم من ترتيبه ثالثاً في السباق الجمهوري.

ويشكل مفاجأتي الموسم حديثة العهد، كل من ترامب، وسيناتور فيرمونت بيرني ساندرز، وقد حققا شهرتيهما عبر إبلاغ الناخبين، كل على طريقته، بأن البلاد تغرق في الفساد، ونظامها السياسي تشوبه أخطاء فادحة. وفي حين يصعب الحكم، ما إذا كانت تصريحاتهما مبنية على ردود فعل، أو على إثارة أجواء عامة من التشاؤم، فإن الأدلة تشير إلى أن التفاؤل الأميركي بلغ أدنى مستوياته.

وأفاد استطلاع جديد أجراه مركز بيو للأبحاث، أن نصف الناخبين المسجلين المستطلعة آراؤهم، أشاروا إلى اعتقادهم بأن مستقبل الجيل المقبل سيكون أسوأ، في حين اقتصرت نسبة الذين قالوا إن الحياة ستكون أفضل بالنسبة للأجيال المقبلة على 24 في المئة فقط. وأشار الاستطلاع إلى أن مشاعر التشاؤم توزعت على فئات عرقية واقتصادية.

خيارات الناخبين

ولا يساعد على تحسين تلك الأجواء، واقع أن خيارات الناخبين هذا العام، ستكون خيارات ضد مرشحين لا يحبونهم، أكثر منها خيارات تؤيد مرشحهم المفضل فعلاً. فعدد من الجمهوريين يدعم ترامب، لأنه يشعر بخيانة قادة الحزب له، وفق ما أظهره مسح اقتراع الناخبين حال خروجهم من مكاتب الاقتراع التمهيدية. أما الديمقراطيون المؤيدون لساندرز، فيدلون بأصوات لصالحه، بسبب غياب روح الإلهام عند منافسته هيلاري كلينتون، ويقولون في بعض الحالات، إنهم لن يقترعوا لصالحها إذا فازت بترشيح الحزب.

ويثير المرشحون البارزون، هواجس بالغة في أوساط حزبيهما. وقد كشف الجمهوريون، أخيراً، أنهم لن يكونوا راضين عن ترامب، إذا أصبح هو مرشح الحزب، في حين أعرب 22 في المئة من الديمقراطيين، عن الاستياء نفسه حيال وصول كلينتون.

وتنطوي المنافسة في الانتخابات العامة بين مرشحين يثيرون مشاعر سلبية، على ما يسميه كثيرون تصويت الضرورة: بمعنى أن غير الراغبين بترامب، يصوتون مرغمين لكلينتون، والعكس صحيح.

وقد حاول المرشح كازيتش من جهته، العثور على نفحة من الإيجابية ورفدها، وقال في حديث له، أخيراً: «يمكنني أن أدخل القاعة، وأحبط الحضور، وأثير غضبهم، وأعمل على التقسيم بينهم، وبث المرارة في نفوسهم. هذا هو خيارك كقائد، وأنا أختار أن أمنح الناس الأمل».

بالأرقام

حين طرحت صحيفة «وول ستريت جورنال»السؤال على الأميركيين في ديسمبر الماضي، حول اتجاه الاقتصاد إلى التحسن أو التراجع في 2016، فإن 24 في المئة فقط منهم، قالوا إنه سيتجه للأفضل، في حين قال ثلاثة أرباع المستطلعين، إنه إما سيصبح أسوأ حالاً (24 في المئة)، أو سيبقى على حاله (50 في المئة).

وعلى نحو مشابه، حين سئل الناخبون، في يناير الماضي، عما إذا كانت الأمور ستؤول للأفضل من عدمه في الأعوام الخمس المقبلة، فإن 35 في المئة فقط، قالوا إن الوضع سيتحسن، في حين انقسمت آراء أكثر من نصف المستطلعين الآخرين، بين قائل إن الأوضاع ستزداد سوءاً (22 في المئة)، أو أنها ستبقى على ما هي عليه (32 في المئة).