أبدى الرئيس الأميركي باراك أوباما على امتداد وقت طويل قلقاً حيال إمكانية وضع الإرهاب يده على المواد النووية، فعقد لهذه الغاية قمة الأمن النووي الأولى عام 2010. وأوضح في خطاب له في لاهاي عام 2009 أن الإرهاب النووي هو التهديد الأخطر والأكثر إلحاحاً على الأمن العالمي، وبهذا فإن قمة الأمن النووي تشكل جزءاً من مسعى أوسع نطاقاً لحماية المخزون العالمي من المواد النووية المعرضة للاستهداف.
جرس إنذار
وأصبحت قمة الأمن النووي تعقد كل عامين منذ الاجتماع السري المغلق الأول. وقد استضاف أوباما، أخيراً، القمة الثانية التي تعقد في عهده، وهي قمة لم تكتف برصد جردةٍ التقدم الذي تم إحرازه خلال السنوات الست الماضية، بل واصلت العمل. لكن من غير الواضح بعد ما إذا كانت أعمال القمة ستستمر بعد عهد أوباما، لكنها يجب أن تستمر.
وينبغي أن تطلق المعلومات المتعلقة بمراقبة عناصر من تنظيم «داعش» لمصانع الطاقة النووية في بلجيكا جرس الإنذار حيال مدى التهديد وإلحاحه. ومن شأن قمة على مستوى القادة أن تبقى هذه المسألة على سلم أولويات أجندة الأمن الدولي والحرص على أن تلقى مساعيها ذات العلاقة الدعم والمصادر.
عادةً ما تكون اجتماعات القمة مجرد صالونات أحاديث، حيث تكثر الخطب ويغيب التحرك. إلا أن قمة الأمن القومي منذ انطلاقها، شهدت إطلاق المشاركين ما يزيد عن 260 التزاماً بتأمين المواد النووية، وتطبيق ما يقارب ثلاثة أرباع التعهدات. فتم التخلص من المواد المشعة، وتعزيز الإجراءات الأمنية، وإنشاء «مراكز تميز» تعمل على تعليم ونشر أفضل الممارسات، إضافةً إلى توقيع الاتفاقيات ذات الصلة وتطبيق بنودها.
ويشهد التعاون الدولي في هذا المجال ارتفاعاً، بحيث لا يتم تبادل المعلومات المتعلقة بالممارسات الأمنية وحسب، بل إن الحكومات قد اتفقت فيما بينها لاعتماد أفضل المعايير الدولية، ودعوة المراقبين الدوليين، والالتزام بالمراجعة الدورية ومراجعة وتطوير منظومات الأمن النووي. وتظهر إلى الوجود كذلك الالتزامات القانونية الملزمة التي سرعان ما ستدخل حيز التنفيذ. وبكلام آخر، فإن الالتزامات ستستمر إلى ما بعد العملية الرسمية لقمة الأمن النووي.
عمل غير منجز
وتحتل قمة الأمن النووي أهميةً خاصة بالنسبة لليابان، فقد وافقت الحكومة اليابانية في قمة 2014 على التخلص من 500 كيلوغرام من مادة اليورانيوم المخصب وعزل البلوتونيوم، في أضخم مشروع تقوم به دولة على صعيد التخلص من المواد النووية في أراضيها.
وشدد كل من رئيس الوزراء الياباني شينزو أبي والرئيس الأميركي باراك أوباما في اجتماع قمة لهما على ضرورة منع الإرهابيين من الاستيلاء على المواد النووية، وسيعمل البلدان على تبادل المعلومات والتقارير الاستخبارية للدفاع بشكل أفضل عن المنشآت النووية اليابانية، وتأمين حماية نقل المواد النووية.
إلا أن العمل لا يعتبر بحكم المنجز بعد، ولابد من مواصلة الاهتمام على أعلى المستويات لإبقاء التهديد في نطاق السيطرة. ويتعين حث الحكومات، في ظل واقعية التهديدات وخطورتها، على تكريس المزيد من المصادر، سيما أن الولايات المتحدة قد خفضت ميزانية مساعدة الدول الأخرى لتنظيف منشآتها النووية بنسبة 50 في المئة من 800 مليون دولار عام 2012، إلى 400 مليون فقط في موازنتها المقترحة للعام 2017. وتبرر واشنطن هذا التراجع بأن العمل قد أنجز، إلا أن المسوغات المنطقية تتعارض بقوة مع مزاعم الإدارة الأميركية القائلة بأن مستوى التهديد لايزال متقدماً.
وكان ملفتاً غياب موسكو عن قمة واشنطن، حيث قاطعتها بذريعة غياب الاستشارات والتعاون الكافيين في التحضير لها. ولا شك بأن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين شعر بالانزعاج لفكرة تولي نظيره أوباما وأميركا عملية الأمن النووي، سيما أن بلاده تمتلك واحداً من أكبر مخزونات العالم من المواد النووية لأهداف مدنية، وأن قدرتها على حماية تلك المواد قد تعرضت للمساءلة في ظل انهيار اقتصادها، وضعف تمويل بناها التحتية النووية، وتفشي الجريمة المنظّمة فيها. ومع أن بوتين قد لا يحب سماع ذلك، إلا أن الأسباب الآنف ذكرها تشكل سبباً رئيسياً ليعزز ارتباطه بعملية قمة الأمن النووي، بدلاً من اعتماد مبدأ النأي، وهو منطق يجب أن تعتمده جميع الدول.
تحذيرات
حذرت مبادرة التهديد النووي المستقلة من أن العديد من مصادر الإشعاع النووي لا تزال «متراخية أمنياً وعرضة للسرقة»، وتشير إلى مخاوف تقول بأن استيلاء الإرهابيين على «قنبلة قذرة» من المواد الإشعاعية أكثر احتمالاً من بناء أداة نووية، سيما وأن أقل من نصف الدول الحاضرة في قمة الأمن النووي 2014 فقط تعهدت بتأمين الحماية لمثل تلك المواد.
وكان من الأهمية بمكان لقاء كل من أوباما وآبي مع رئيسة كوريا الجنوبية بارك غوين هيو على هامش القمة الأخيرة للتأكيد على الالتزام بالتعاون ثلاثي الأقطاب للتصدي للتهديد النووي الكوري الشمالي. وقد اتفق الزعماء الثلاثة على أن التضامن بين دولهم أمر أساسي للتعامل مع استفزازات بيونغيانغ.
