تقف باكستان اليوم في وضعية بالغة الصعوبة والدقة، بعد أن بناها مؤسسوها على أمل أن يظهروا للعالم أن الدولة القائمة على مبادئ الإسلام يمكن أن تكون رمزاً للتسامح والديمقراطية.

إلا أن رؤية المؤسس محمد علي جناح قد تعرضت للتقويض بقسوة. فالمدن أرهقها الإرهاب المتفشي، والمناطق الحدودية القبلية الفوضوية أصبحت مراكز عالمية للتطرف.

ولم يكن التفجير الانتحاري الذي قتل ما لا يقل عن 70 شخصاً، معظمهم من الأطفال في قلب مدينة لاهور، سوى الحلقة الأحدث من مسلسل التعصب الذي نشر الموت في مدن باكستان. وقد شهدت البلاد في العام الأخير فقط، مقتل ما يقارب 500 شخص قضوا بنتيجة أعمال إرهابية ضربت أنحاء البلاد.

تعاني باكستان منذ ما يقارب العشرين عاماً موجة إرهاب ضارية، اتسعت رقعتها بعد قرار الرئيس الباكستاني السابق برويز مشرف مساندة القوى المدعومة أميركياً في محاربة حركة طالبان في أفغانستان.

انقسمت الحركات التي تشكل الخطوط الأمامية للحملة الهادفة لتغيير الوضع في كشمير الخاضعة لسيطرة الهند، بدعم وتمويل من الهيئات الباكستانية إلى عشرات الجماعات المسلحة المتنافسة فيما بينها لمهاجمة المباني الحكومية، واستهداف الأقليات، وتصدير الإرهاب إلى الهند المجاورة وتخريب الإصلاحات الاجتماعية والاقتصادية، وتحويل باكستان إلى بلد غير قابل للحكم على الإطلاق.

وقد أتى الاغتيال الفوري لسلمان تاسير، السياسي الشجاع الذي اعترض على إساءة استخدام القوانين الباكستانية المتعلقة بالتجديف، بمثابة تحذير للقضاة والسياسيين والعسكريين يشير إلى عدم الإقدام على تحدي المتشددين أو معارضتهم.

وقد تخطى الإرهابيون أنفسهم، تحت أنظار أبناء الطبقة المتوسطة من قانونيين مثقفين وجيش قوي، من أخذوا يراقبون ارتفاع مقياس التطرف بقلق متزايد. إلا أن حكومة رئيس الوزراء الباكستاني نواز شريف لم تتخذ القرار بالتحرك إلا بعد وقوع الأعمال الأكثر وحشية المتمثلة بالمجزرة التي أودت بحياة 134 طفلاً في إحدى الأكاديميات الخاضعة لإدارة الجيش في بيشاور عام 2014.

أعلن حينئذ شريف الحرب على الإرهابيين، فاعتقل قادتهم، وهاجم معاقلهم، مما دفع المقاتلين للعمل متخفين. واتخذت إجراءات صارمة بحق المدارس التي انتشرت لملء الفراغ الذي خلفه غياب المدارس النظامية في القرى. وفي خطوة تشكل تحدياً للمتطرفين، تم إعدام قاتل حاكم البنجاب في 2011 شنقاً، أخيراً.

وها هم المتشددون اليوم يردون الضربات، بدافع الانتقام لا غير. إلا أن الخطر لا يتهدد مستقبل حكومة شريف وحسب، فباكستان التي يبلغ عدد سكانها 190 مليون نسمة، تحتل موقعاً مهماً على خارطة أمن جنوب آسيا، واستقرار أفغانستان ومستقبل الإسلام العالمي.

وأصبحت تعتبر الآن حليفاً استراتيجياً للصين، بعد أن كان الغرب يصنفها يوماً على أنها جزء من الطوق الدفاعي المحيط بالاتحاد السوفييتي السابق. كما أنها قوة نووية، وبلد يشكل شتاته الواسع روابط وثيقة مع بريطانيا، حيث يعيش معظم الباكســتانيين ويكافحون الإرهاب العالمي.

لقد تعهد شريف بألا يستسلم في القتال ضد الإرهابيين، وحري به، لمصلحته ومصلحة العالم أجمع، ألا يفشل.