في 30 سبتمبر الماضي، حين أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بشكل غير متوقع نشر القوات الروسية الجوية في سوريا، أجمعت الآراء على أن الخطوة قد تكون خطأً فادحاً. وجادل المنتقدون بعدم جدوى القصف كإجراء لا يمكنه منفرداً أن يحدث أي تغيير على أرض الواقع.

مساعدة سوريا وتغيير العلاقات

حدد الكرملين، منذ البداية، مجموعةً من الأهداف الصغرى والكبرى، فتمحورت الأولى حول تثبيت دعائم نظام الرئيس السوري بشار الأسد الذي كان يتعرض لخسائر فادحة حينها. كما سعت موسكو للاعتراف بها كلاعب محوري في الشرق الأوسط وقوة عالمية موازية لأميركا.

أما الهدف الأكبر لبوتين فتمثل في تحويل علاقات روسيا مع الغرب عقب تعثرها على خلفية الأزمة الأوكرانية. وكان الكرملين يأمل أن يحفز الخطر المشترك لـ«داعش» الغرب على تجاوز هواجسه في التعامل مع روسيا والمضي نحو تشكيل تحالف جديد مناهض للتنظيم.

وعلى الصعيد العسكري، تعاونت روسيا بشكل وثيق مع الجيش السوري وحلفائه لتنسيق الغارات الجوية. ومع أن تقدم الجنود كان بطيئاً في البداية، إلا أن الروس تمكنوا من تحقيق الهدف طويل الأمد، المتمثل بقطع طريق الإمدادات ومستودعات التخزين، والبنى التحتية الأخرى للمعارضة.

وأثمرت جهود القصف المكثف بعد عدة أشهر عن تمكن الجيش السوري غير مكتمل التسليح من الاستفادة من الوضع وشن سلسلة من الهجمات الناجحة. واستطاع في فبراير الماضي قطع الإمدادات المباشرة من تركيا إلى مقاتلي المعارضة في حلب. وحقق نجاحات مماثلة في كل من حمص ودرعا واللاذقية.

ثبت التدخل الروسي حتى اليوم دعائم الحكم في سوريا عسكرياً، ووسع نطاق هيبته في المناطق ذات الكثافة السكانية غربي سوريا. كما أحبط آمال مجموعات المعارضة في سوريا، والقوى الأجنبية المراقبة، بإمكانية الإطاحة بنظام الأسد عبر السبل العسكرية.

الدبلوماسية ولجم الأسد

واستؤنفت في الوقت عينه العملية الدبلوماسية الرامية لتقسيم المعارضة إلى معسكرين كبيرين، سواء المتجه إلى طاولة المفاوضات أو لا. وكانت لدى كل من روسيا وأميركا، مع إعلان وقف إطلاق النار، فكرة واضحة عن جهة ونطاق تغطية وقف إطلاق النار.

أما قطعة الأحجية الرابعة والأخيرة فكانت قرار بوتين حول كيفية التعامل مع الأسد، حيث أتى الاعتراض الدبلوماسي الروسي على زعم الأسد نيته إعادة السيطرة على كامل سوريا، وسحب القوات الروسية، بمثابة تأكيد على أن الأسد لا يملك شيكاً على بياض من الروس، وعليه أخذ المفاوضات على محمل الجد.

رؤية أشمل

يستطيع بوتين، من خلال الانسحاب الرسمي إبان فترة وقف إطلاق النار، التي كان العقل المدبر لها، وعلى خلفية إنجازات عسكرية هامة، المغادرة برأس مرفوع. كما يسعه، بعد أن أثبت خطأ منتقديه، وإمكانيات الجيش الروسي، التركيز على الجانب الدبلوماسي لعملية السلام، وهو الجانب الذي تتفوق روسيا فيه عادةً.

وأوضحت روسيا، في الوقت عينه أنها ستبقي على منشأتها البحرية القديمة في طرطوس، وقاعدتها الجوية الجديدة في حميميم، التي تخولها إعادة الانتشار السريع عند الضرورة. أضف إلى ذلك أن الجيش الروسي يترك لنظيره السوري أسلحةً جديدة، وعدداً من المستشارين العسكريين. لقد ساعد التدخل الروسي في سوريا بتحقيق هدف بسط محادثات السلام على الساحة الدولية، لا سيما وأن روسيا تعتبر التدخل الغربي في منطقة الشرق الأوسط لا يساهم إلا في زعزعته لأنه مبني على مبدأ أن قيم مضللة تشير إلى أن القيم الغربية هي قيم عالمية.

ويجادل الغرب في المقابل بأن روسيا تروج لنظرة شمولية للمجتمع الدولي، وهو أساس حفاظها على أي دولة كوحدة سيادية أساسية. وهذا أمر مهم في منطقة الشرق الأوسط، حيث عادةً ما يؤدي تغيير النظام إلى انهيار الدولة على غرار ما حصل في ليبيا والعراق.

إلا أن روسيا خرجت من المغامرة السورية بدور أقوى، وباتت تشكل اليوم قوة محورية في الشرق الأوسط، وأبطلت بشكل أكيد استمرار فكرة أن روسيا يمكن عزلها دبلوماسياً عقب أزمة أوكرانيا، السائدة في واشنطن تحديداً.

تجارب

غالباً ما اعتبرت الحملة الجوية اللامتناهية ضد تنظيم «داعش» كما يبدو كإثبات عدم جدوى الغارات، وقد ردّد الرئيس الأميركي باراك أوباما التأكيد على اعتقاده هذا في حديث أجري معه، أخيراً، حيث أكد أن روسيا قد "وسعت نشاطها أكثر مما يلزم وباتت بحكم المستنزفة، كما أن اقتصادها يشهد تراجعاً منذ ثلاث سنوات متتالية على نحو بالغ.

ولا شك بأن تجارب أميركا المؤلمة في العراق وأفغانستان قد ألقت بثقلها على تفكير أوباما وتركت أثراً في تقييمه للأمور. ومع ذلك، وكأنما ليثبت خطأ منتقديه، أعلن بوتين بشكل مفاجئ أيضاً سحب قواته العسكرية الرئيسية من سوريا باعتبار أنها حققت أهدافها الرئيسية.