شكل إعلان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين سحب فريق مهمته العسكرية من سوريا أمراً مفاجئاً، بقدر تحركه للتدخل في الحرب الوحشية قبل ستة أشهر. وجاء الإعلان في لحظة يحتمل أن تكون محورية بالنسبة لسورياً التي تدخل حربها الأهلية عامها السادس. فمفاوضات السلام التي طال انتظارها بوساطة الأمم المتحدة كانت قد انطلقت في اليوم نفسه في جنيف، كما بدأ في 27 فبراير وقف هش لإطلاق النار أثبت أنه قادر على الصمود .

ويبقى أن نرى جوهر ردود أفعال الطرفين الرئيسيين في سوريا، الرئيس السوري بشار الأسد والمعارضة المسلحة، على الخطوة الروسية. يقول عدد كبير من المحللين إن الانسحاب الروسي يبدو في جانب منه للضغط على الأسد لدفعه إلى التفاوض بجدية في جنيف، وتقديم تنازلات يمكنها أن تساعد على إنهاء الصراع .

وفي المقابل، قد تشعر جماعات المعارضة السورية التي كانت تتعرض للقصف على مدى أشهر من جانب القوة الجوية الروسية بأنها أكثر جرأة لتجديد حملتها ضد نظام الأسد، إذا انهار وقف إطلاق النار أو فشلت المباحثات في جنيف. فبعد يوم من إعلان بوتين سحب القوات الروسية، قال قائد «جبهة النصرة» التابعة لتنظيم القاعدة في سوريا، إن الجماعة كانت تحضر لهجوم جديد ضد قوات الأسد.

لكن الخبير في الشؤون السورية في معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى أندرو تابلر يقول إنه «يعتقد أن قسماً واسعاً من قوات المعارضة سوف يمنح فرصة لمباحثات السلام، لكن هذا في جانب كبير منه سيعتمد على ما سيفعله الروس بهياكل طائراتهم الجوية المتبقية كما على الموقف التفاوضي للنظام (في جنيف)»، ويضيف تابلر: «إذا استهدف (الروس ونظام الأسد) المعارضة المعتدلة بانتظام كما كان يحصل في الماضي، فإن مباحثات السلام لن تدوم طويلاً».

وقد ساعدت حملة القصف الجوية لروسيا التي بدأت في أكتوبر الماضي، واحتدمت بانتظام في الشهرين الماضيين، نظام الأسد في تفادي الهزيمة التي بدت وشيكة الصيف الماضي إثر استيلاء جماعات المعارضة على مساحات واسعة من الأراضي في شمال وجنوب سوريا. وبينما التدخل الروسي منح الأسد متنفساً، إلا أن قبضته على البلاد تبقى هشة.وعلى الرغم من الانسحاب العسكري، قال بوتين أخيراً، إن موسكو سوف تستمر في توفير الدعم العسكري والاستخباري لنظام الأسد. وواصلت الطائرات الروسية قصف تنظيم «داعش» غرب مدينة تدمر السورية في وسط البلاد.

وأفاد بوتين أيضاً بأن القوات الروسية يمكن أن تعود إذا ما دعت الحاجة إليها، وقال أمام تجمع ضم 700 ضابط في الجيش الروسي: «إذا دعت الحاجة، فإنه في غضون بضع ساعات عملياً، يمكن أن تعزز روسيا وجود كتائبها في المنطقة لتصل إلى العدد الذي يتناسب مع تطور الأوضاع هناك». علاوة على ذلك، سوف تمضي روسيا في الحفاظ على منشآتها البحرية في طرطوس وقاعدتها الجوية قرب اللاذقية.

ومع ذلك، ألمحت موسكو إلى عدم رضاها عن المواقف المتصلبة لدمشق. كانت روسيا قد عملت مع الولايات المتحدة لتطبيق وقف إطلاق النار الجاري، وحضت الأسد على المشاركة في عملية السلام في جنيف على أمل إنهاء سفك الدماء، لكن الأسد رفض مناقشة رحيله من الرئاسة، وهو مطلب حيوي للمعارضة، وفي مقابلة معه أقسم الأسد على استعادة البلاد بأكملها حتى لو استغرق الأمر منه «وقتاً طويلاً وتكبد ثمناً باهظاً». وقد فسر تعليقه بمعنى أنه نظراً لضعف الجيش السوري، فإنه سيكون على روسيا وإيران والميليشيات الشيعية الحليفة أن تتقدم خطوة إلى الأمام لتحقيق هذا الهدف.

لكن المحللين يقولون إن الأجندة الروسية في سوريا أقل طموحاً، وتركز على منع هزيمة الأسد، وإقامة جسر عسكري روسي في الشرق الأوسط، وجعل موسكو بنفوذ لا غنى عنه في المساعدة بتشكيل مصير البلاد. ويضيفون إن الشروع في حملة عسكرية مطولة ومكلفة لاستعادة سوريا بأكملها لتصبح تحت سيطرة الأسد ليس جزءاً من خطة موسكو.

ولمحت روسيا أيضاً إلى نظام فيدرالي في سوريا يمكن أن يقسم البلاد إلى مناطق تتمتع بحكم شبه ذاتي، وهذه النتيجة تم رفضها ليس من الأسد فحسب، إنما أيضاً من المعارضة السورية ضمن التيار العام.

نظام فيدرالي

طرحت فكرة نظام فيدرالي في نهاية فبراير الماضي من قبل نائب وزير الخارجية الروسي سيرجي ريابكوف، ثم مجدداً من قبل وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف الذي قال إن نظاماً فيدرالياً يمكنه أن ينجح إذا أراد الشعب السوري ذلك، وردد المسؤولون الأميركيون وجهة النظر تلك.

ويمضي حالياً الأكراد السوريون في خططهم نحو الحكم الذاتي، معلنين عن منطقة فيدرالية تجمع ثلاث مناطق في شمال سوريا تحت سيطرتهم. وكان للإعلان الكردي التأثير الاستثنائي في توحيد نظام الأسد والمعارضة السورية في رفض الخطوة.