ترسل اعتداءات بروكسل، مؤشراً آخر، يدعو للتنبه حيال بروز ملامح الجبهة الأوروبية الجديدة في الصراع ضد «داعش». في حين تهدد هزائم التنظيم الميدانية المتكررة في العراق وسوريا، بالإطاحة بقصة النجاح المزعومة، التي كانت أساس ما جرى الترويج له عن قوته وشعبيته.

سمحت النجاحات العســكرية، التي جرى التـــــرويج لقيام «داعـــش» بتحقيقها في كل من العراق وسوريا، باحتلاله مكانة متقدمة على ساحة الحركات المتشددة على نطاق واسع. إلا أنه منذ الوصول إلى أوج تقدمه عام 2014، شهد التنظيم خسارة 40 في المئة من المناطق التي كانت تخضع لسيطرته، بما في ذلك مدن أساسية وآلاف المقاتلين.

وها هو يسعى اليوم لسلوك طرق بديلة تكسبه الفوز، حيث يجد في أوروبا العديد من الفرص لتحقيق غايته، لا سيما أن ما يزيد على خمسة آلاف أوروبي، ومن ضمنهم أعداد متفاوتة من الفرنسيين والبلجيكيين، قد انضموا لصفوف «داعش». وتتيح الاعتداءات التي تنفذها الشبكات المتشعبة للتنظيم في أوروبا، الادعاء بأنه يردّ ضربات الأعداء، وينتقم للخسائر التي تكبدها على أرض المعركة.

وأظهرت تفجيرات بروكسل الإرهابية، التي هزت المطار ومحطة القطارات، بعد مرور أيام قليلة على اعتقال المشتبه به الوحيد المتبقي من حادثة تفجيرات باريس، التي حــــصلت في نوفمبر الماضي، في الحيّ الذي يقطن فيه بالعاصمة البلجيكية نفسها، أن الأجهزة الأمنية في أوروبا مصابة بالارتباك. فعلى الرغم من الارتفاع الخـــجول في ميزانيات الأمن القــــومي، فإن أجهزة الاستخبارات الأوروبية، والموظفين المسؤولين عن تطبيق القانون، مصابون بالإرهاق، جراء التعامل مع التحدي الإرهابي المتنامي.

ويشكل غياب التنسيق الأوروبي الاستخباري، الإخفاق الأفظع، بما يمثله من هدر للمصادر النادرة على جهود مضاعفة، ويترك ثغرات قاتلة بين حدود بلدان الاتحاد الأوروبي المفتوحة.

وقد يكون التحدي الأوروبي الأكبر في محاربة تنظيم «داعش»، على المدى الطويل، مرادفاً لعملية دمج المسلمين المهمّشين في القارة. ويولد هذا الإخفاق تصدّعاً خطيراً من نوع آخر في التجربة الأوروبية، لا سيما أن الأحزاب اليمينية المتطرفة، والرسائل القومية المؤيدة لمكافحة الهجرة، تغدو أكثر شعبية بشكل متزايد، في إطار تيار سائد مرشح للسير بوتيرة أسرع، بالتوازي مع زيادة حوادث الإرهاب وأزمة اللاجئين المتعنتة. ومن شأن ارتفاع مستوى كراهية الأوروبيين للأجانب، أن يسهّل مساعي الموكلين بتجنيد العناصر الإرهابية في قلب المجتمعات المسلمة المهمشة في أوروبا.

يتعين على قوى التحالف الدولي، بقيادة الولايات المتحدة، المضي قدماً في استهداف تنظيم «داعش» في عقر المناطق التي تخضع لسيطرته في العراق وسوريا، كما لا بد لدول الغرب، من أن تبدي استعداداً أكبر لمواجهة المزيد من ضربات المتشددين الإرهابية.

وينبغي في الوقت عينه على الشعوب الغربية، لا سيما الأوروبية، أن تعمل على إضعاف النفوذ الإرهابي بين أوساط الجماهير، من خلال المباشرة بحلّ مشكلات أساسية، كتهميش المسلمين، على سبيل المثال.

هدف

إذا لم يتمكن «داعش» من تحقيق انتصارات عسكرية ضد قوى التحالف، بقيادة أميركا، فلا بد له من البحث عن انتصارات من نوع آخر. ومن سوء حظ أوروبا، أنها تشكل هدفاً مغرياً للمتشددين، في ظل أزمة اللاجئين ومشقات التعاون في مجال مكافحة الإرهاب، والصعوبات القديمة في دمج المسلمين في مجتمعاتها.