تشكل استعادة قوات الجيش السوري لمدينة تدمر هزيمة فادحة لتنظيم «داعش»، من دون أن تعني بالضرورة تفككه الشامل بعد تراجعه. وعلى الرغم من انتشار معلومات تفيد بأن التنظيم قد خلف ما يقارب الأربعمئة قتيل، على أرض المعركة ونحو المدينة الأثرية، إلا أنه قد سحب قواته على ما يبدو قبل أن يتعرض للهزيمة التامة.
وتأتي هذه الخطوة متوافقة مع التكتيك المعتمد من قبل التنظيم العام الماضي والقاضي بعدم القتال حتى الرمق الأخير، دفاعاً عن مواقع محددة، وتصدياً لغارات جوية متواصلة تشنها المقاتلات الروسية، وتلك العاملة بقيادة أميركية.
الدور الروسي
تسطّر عمليات التقدم الناجحة للجيش السوري، على الرغم من عدم اتضاح ملامح نطاق السيطرة المفروضة على تدمر، فوزاً للرئيس السوري بشار الأسد، تماماً كما عكست خسارة المدينة قبل عشرة شهور انحسار قواته. وتنبثق عودة قوته العسكرية من انطلاقة الحملة الروسية الجوية في 30 سبتمبر العام الماضي، والزيادة غير المعلنة في دعم المحور الشيعي بقيادة إيران ومشاركة حزب الله والوحدات العراقية شبه العسكرية. وعلى الرغم من إنهاء التدخل الروسي الرسمي، فإن طائراته قد لعبت دوراً محورياً مؤكداً في اســـــتعادة السيطرة على مدينة تدمر.
وتمثلت أحد الملامح السافرة لتحرك «داعش» في مايو الماضي بقدرة المقاتلين على التقدم من دون التعرض لقصف الطائرات الأميركية، بذريعة أن أميركا لم تكن ترغب بأن يتهمها أحد بالقيام بكل ما من شأنه مساعدة حكومة الأسد التي اتهمتها بدعم قتال التنظيم. ويحمل هذا الزعم جانباً دعائياً، نظراً لما تكبده الجيش السوري من هزائم متتالية على يد التنظيم عام 2014، وفق ما أظهرته المقاطع المصورة الوحشية من قطع رؤوس جنود سوريين سجناء أو إعدامهم بالرصاص.
وشملت الغارات الجوية الروسية شمال محافظة اللاذقية ومحيط حلب وشرق حمص وحماة. وتمكن تنظيم «داعش» في أوج مراحل تقدمه العام الماضي من تهديد الطريق السريع لنقل الأسلحة شمالاً وجنوباً، الذي يربط بين دمشق وحمص، واستطاع، أخيراً، قطع الطريق البديل الذي يربط بين محافظتي حمص وحلب.
لقد خسر التنظيم معركة، لكنه لم يخسر حرباً بالضرورة، وسيكون من الصعب على الجيش السوري التقدم شرق تدمر، لما يشكله ذلك من تقدم باتجاه المناطق السورية العربية، وبالتالي تعرضه المتزايد لهجمات الجماعات المسلحة. وينطبق الأمر عينه على المناطق الريفية ذات الكثافة السكانية السنية سيما محافظة إدلب وشرق حلب، حيث المعارضة المسلحة تتعرض لضغوط من قبل الجيش السوري ووحدات حماية الشعب الكردية السورية.
الدعم الدولي
ويراوح الوضع السياسي والعسكري مكانه غير المستقر في كل من سوريا والعراق، في ظل الاستراتيجيات المختلفة التي يتبعها المؤثرون المحليون والأجانب. وقد ضمن كل من أكراد سوريا والعراق قوات مشاة وثيقة التحالف مع الحملة الجوية بقيادة أميركا، إلا أن الطرفين يدركان أن الدعم الدولي الذي يحظيان به لن يستمر بعد هزيمة «داعش». كما أنهما سيكونان أكثر عرضة للحكومات المركزية المستعيدة لقوتها في كل من دمشق وبغداد، الساعية لإعادة فرض سيطرتها على المحافظات الكردية، أو المناطق المتنازع عليها بين كل من الأكراد والعرب.
أعربت روسيا عن ســــعادتها في التعاون مع الولايات المتحــــدة في الإعداد لعملية «وقف إطلاق الأعمال العدائية»، التي تم التوصل إليها في 27 فبراير الماضي بين كـــل من الجيش السوري وقوى المعارضة المسلحة، وبمعزل عن جماعة «جبهة النصرة» وتنظيم «داعش». وتسعى موسكو من خلال ذلك إلى إعطاء مادة لمفاوضات السلام في جنيف، التي تتصور أنها ستضطلع بنوع من تقاسم السلطة في سوريا إما على أساس جغرافي أو مؤسسي، إلا أن تلك السياسة لا تلقى استساغة في إيران أو لدى المحور الشيعي الذي يبقى على المدى الطويل أحد حلفاء حكومة الأسد الأكثر التزاماً، ومن المؤكد أن الحرب الأهلية في سوريا لا تزال بعيدة عن نهايتها.
ردود
اتهمت حكومات الغرب والمعارضة السورية روسيا بالاكتفاء بالتركيز على أهداف غير داعشية خلال حملتها الجوية دعماً للجيش السوري. وقد شن الروس غارات جوية على كل عناصر المعارضة المسلحة، التي كانت تمثل التهديد الأكبر لمواقع الجيش السوري .
وفي حين توقع بعض المراقبين أن تكون معركة تدمر بمثابة الخطوة الأولى في الطريق نحو «دحر داعش والإطباق عليه»، شدد آخرون على أهمية الدور الروسي في الحرب على «داعش».
وقال مصدر في حلف الأطلسي: «نحن نرى أنه للتعليق على هذه المسألة يجب الرجوع إلى الدول الأعضاء في الناتو، التي تشارك في التحالف الدولي لمكافحة (داعش)».

