لطالما كانت بروكسل لسنوات خلت مركز الغضب الأوروبي إزاء برنامج التحقيقات الإرهابية لوكالة الاستخبارات المركزية الأميركية. وقد حان دور بلجيكا اليوم في تقديم بعض التوضيحات المتعلقة بإخفاقها في التحقيق بفاعلية مع إرهابي من العيار الثقيل، كان من شأنه أن يحول ربما دون الهجمات الإرهابية الأخيرة التي هزت مطارها ومحطة القطارات فيها. وتشكل المجزرة نتيجة مباشرة لرفض أوروبا التعامل مع الإرهابيين على نحو مغاير لتعاملها مع المجرمين العاديين.

وحين ألقي القبض على صلاح عبد السلام، الذي يعتقد أنه المسؤول اللوجيستي لخلية «داعش» الإرهابية، اتبع المسؤولون البلجيكيون إجراءات تطبيق القانون بحذافيرها. فأوكلوا محامياً لعبد السلام، وأملوا عليه حقوقه لإمكانية التزام الصمت، وأدرجوا اسمه ضمن قائمة المدانين الجنائيين في بلجيكا. وبعد مرور أربعة أيام، نفذت الخلية الإرهابية سلسلة تفجيرات في بروكسل، وقتلت 35 شخصاً، وأصابت المئات.

ومن المثير للدهشة أن السلطات لم تحقق بالمطلق مع عبد السلام خلال الساعات الـ24 الأولى من احتجازه، حيث أمضى الليل في المستشفى ليتعافى من إصابة في الساق، وحين عاد إلى مقر الشرطة لم تستجوبه السلطات إلا لساعتين، ولم يتكرر المشهد إلا بعد حصول التفجيرات. وأوضح مسؤول أمني بلجيكي رداً على سؤال عن سبب الامتناع عن التحقيق بالقول: «بدا متعباً جداً، وقد خضع لعملية قبل يوم واحد».

ويشكل التحقيق مع عبد السلام مثالاً صارخاً عن سبب اعتبار نموذج تطبيق القانون في استجواب الإرهابيين كارثياً. وإنه من غير المقبول السماح لعبد السلام الاحتفاظ بهويات أعضاء الخلية ومخططات اعتدائهم على بروكسل.

ولم يقتصر انعدام الكفاءة عند هذا الحد، حيث عمد المسؤولون البلجيكيون إلى عقد عدد من المؤتمرات الصحفية المخصصة للتباهي بخطوة الاعتقال والتحدث عن مدى تعاون الموقوف معهم. وقد أثبتت الخطوة أنها خطأ قاتل.

في حين أن إبقاء مسألة القبض على أحد الإرهابيين طي الكتمان، من شأنها أن تتيح الإبقاء على الأدلة، ومنح المسؤولين بعض الوقت لتوظيفها بينما يستخرجون المعلومات من الموقوف قيد التحقيق.

وتبين هذه الحالة الحاجة لاتباع نوع من الاعتقالات السرية، واعتماد نهج استخباري في استجواب الإرهابيين الخطرين. ولا يعني ذلك ما اقترحه المرشح الرئاسي الجمهوري دونالد ترامب حول وجوب الإيهام بإغراق عبد السلام، لاسيما أن تجربة وكالة الاستخبارات المركزية تشير إلى أن ثلثي الموقوفين أبدوا تعاوناً من دون الاضطرار إلى اعتماد تقنيات تحقيق متطورة على الإطلاق.

يحتاج المسؤولون في أوروبا وأميركا إلى أن يستيقظوا ويبدلوا نهجهم، وقد أصدر تنظيم «داعش» مقطع فيديو، أخيراً، يصور إرهابيين من الجنسية البلجيكية على الأرجح يحتفلان بإنجاز هجمات بروكسل من قلب العراق. ونظر أحدهما إلى عدسة الكاميرا وقال: «إنها مجرد بداية الكابوس». إذا واصلنا التعامل مع الإرهابيين على أنهم مجرمون عاديون، فســـرعان ما سيتحول الكابوس إلى حقيقة.

خطيئة

لم يكن حرياً بالمسؤولين البلجيكيين الإقرار علناً بالقبض على عبد السلام. ذلك أنه حين يعلم الإرهابيون أن أحد رفاقهم يخضع للتحقيق يسارعون إلى تنظيف رسائل البريد الإلكتروني، ويسرعون على الأرجح كما في حالة بروكسل بتنفيذ المخططات الإرهابية.