كانت التقارير الإخبارية المروعة مألوفة إلى حد بعيد، هجوم على عاصمة أوروبية رئيسية باستخدام عبوات ناسفة وانتحاريين، أسفر عن عشرات القتلى والجرحى. بدءاً من مدريد عام 2004، إلى لندن عام 2005 إلى باريس عام 2015, أضيفت الآن بروكسل عام 2016 إلى القائمة الكئيبة للمدن الجريحة. لكن في حين أن أوجه التشابه واضحة، فإنه من المرجح أن تنذر هجمات بروكسل بتغييرات كبيرة في مشهد الإرهاب والأمن.

جاءت الهزة الأولى من الارتباط المؤكد لهجمات بروكسل بهجمات باريس نوفمبر الماضي. وتشير الأدلة الأولية إلى أن المهاجمين في بروكسل كانا مرتبطين بشكل وثيق، إن لم يكن جزءا لا يتجزأ من الشبكة التي خططت ونفذت أحداث باريس. وعلى عكس هجمات متماثلة متزامنة في الماضي، كما في لندن عام 2005، فإن بروكسل تشكل المرة الأولى منذ الحادي عشر من سبتمبر، حيث خلية إرهابية في الغرب تنجو لشن أكثر من هجوم.

ولا يمكن التقليل من معنى قدرة هذه الشبكة على النجاة، وعلى الأرجح أن وراء ذلك ثلاثة عوامل: الحجم والتعقيد والاتصالات.

بالنسبة إلى الحجم، فإن العدد الهائل للإرهابيين المحتملين، لا سيما أولئك الذين تلقوا تدريباً بفضل القرب من الصراع السوري، يصعب على أجهزة الأمن الأوروبية التعامل معهم. ومع الحجم يأتي أيضا مستوى التعقيد، في التخطيط، وفي البقاء «خارج الرادار» وفي تصنيع عبوات ناسفة فعالة، مما سمح لهذه الخلية بالنجاة من تعطيل شبكة الملاجئ الآمنة وشبكة القيادة والمضي إلى الأمام.

وأخيراً، يتعين علينا أن نفحص عن كثب المقدار الذي يمكن أن تسمح وسائل اتصالات إلكترونية آمنة متوفرة بشكل واسع ويسهل استخدامها لهذه الخلية بإخفاء المسارات الإلكترونية الخاصة بها ما بعد هجمات باريس. وما سنجده في شبكة باريس وبروكسل هو أن اتصالات الجماعة كانت مخفية عن الأنظار بشكل فعال أو قابلة للزوال بشكل كاف لمنع الأجهزة الأمنية من وضع رسم كامل للشبكة.

تغييرات كبرى

لا تمثل بروكسل تغييراً في طبيعة الإرهابيين فحسب، بل إنها تشير أيضاً إلى تغييرات كبرى في أجهزة الأمن الأوروبية. ما بعد باريس، كانت الحدود المفتوحة للاتحاد الأوروبي على أجهزة الإنعاش، وما بعد بروكسل، فإن اتفاقية شنغن في عداد الموتى. وبينما يتنقل الإرهابيون بحرية، فإن أوروبا من دون حدود هي في وضع صعب أصلاً، لكن جنباً إلى جنب مع أجهزة أمن واستخبارات أوروبية كل ضمن حدوده، فإن النتيجة يمكن توقعها.

والبرلمان الأوروبي لن يستسلم بسهولة، لكن سيكون مطلوباً تكثيف المراقبة على الحدود الأوروبية، ووضع ترتيبات نشطة ومتعددة الأطراف لتقاسم المعلومات، وتعاون استخباراتي أوروبي جيد، لخفض احتمال وقوع مآسي مستقبلية.

للولايات المتحدة دور حاسم في التعامل مع هاتين المجموعتين من التحديات. وبوصفها قائدة مركز التكنولوجيا والاستخبارات في الغرب، يتعين عليها أن تمضي في العمل عن كثب مع شركائها الأوروبيين وتعزيز علاقات حيوية ثنائية ومتعددة الأطراف معهم.

دروس

يجب التعلم من الدروس الصعبة للعقد الماضي: مكافحة الإرهاب بشكل فعال يجب أن توازن بين مزيج من هجوم ودفاع ومشاركة مع كل الشركاء والشعوب المستضعفة، ويتعين علينا مضاعفة جهودنا للتعامل مع المرجل القاتل الذي أصبحت عليه سوريا، والاعتراف بأن تعطيل الشبكات الأقرب إلى الوطن أكثر صعوبة مما كان عليه الوضع في الماضي.