قد يخيل للبعض أن الاعتداء الدموي الذي نفذه تنظيم «داعش» في بروكسل، أخيراً، انتصار للإرهاب المتمادي، لا سيما في ظل تباهي الإرهابيين بتحقيق النجاح ضد أعدائهم الغربيين، وادعائهم بأن ضرب بروكسل جاء نتيجة مشاركتها في الحلف العسكري المناهض لـ «داعش». إلا أن مجموعات إرهابية سابقة، وجدت أن الهجمات الدولية تترافق مع دفع أثمان باهظة على المدى الطويل، وليس التنظيم استثناءً من هذه القاعدة، وقد يدفع الثمن عينه أو يزيد.
اتساع نطاق التهديد
وفي الظاهر، يبدو أن مكاسب الهجوم الدولي، كالذي ضرب بروكسل، تفوق المخاطر، ذلك أن موت البلجيكيين بالنسبة لتنظيم عقائدي مثل «داعش»، يوجه ضربة موجعة للغرب، ويؤدي مهمة التنظـيم بجـر المعركة إلى ما يسميهم بأعداء الإسلام.
وتـقابل تلك الهجمات، الخسائر الفادحة التي تكبدها «داعش» في كل من سوريا والعراق، حيث يقول مسؤولون أميركيون بأن التنظيم قد خسر 40 في المئة من المناطق في العراق، و20 في المئة من الأراضي التي يستولي عليها في سوريا منذ عام 2014.
ويذكر أن الرمادي قد سقطت بيد القوات العـــــراقية فـــي بداية العام الحالي بدعم أميــــركي، في ضوء أحاديث عن أن المــــوصل ستكون المدينة التالية قريباً. ويشـار إلى أن آلاف مقاتلي التنــظيم قد سقطوا خلال المعارك.
إلا أن توسيع الدائرة باتجاه العالم، غالباً ما يرتد بالسوء على المجموعات الإرهابية، وذلك أولاً، لأنه كلما اتسع نطاق التهديد الإرهابي، زادت إمكانية جذب اهتمام أميركا وأجهزتها الاستخبارية والعسكرية.
وقد ألقى المقاتلون غير المنتسبين إلى تنظيم القاعدة آنذاك، المسؤولية على أسامة بن لادن عقب اعتداءات الحادي عشر من سبتمبر، لما أسفر عنه ذلك من تدخل أميركا في صراعات كانت يوماً محلية، ولأنه وسّع نطاق المساعدات للحكومات في الشرق الأوسط.
إعاقة قدرة «داعش»
اعتمدت إدارة أوباما، الحذر في تحركاتها في العراق وسوريا حتى اليوم، إلا أن كل اعتداء يُشن على الغرب، يزيد، أو يبقي على الأقل، على الضغوط الممارسة على قادة أميركا للتصعيد.
كما أنها ترفع إمكانية استهداف الغرب لمراكز «داعش» في ليبيا وسيناء، على الرغم من أن التنظيم لا يضرب حالياً أهدافاً أميركية أو أوروبية، علماً بأنه من الأفضل توجيه ضربات قاسية، وعدم الانتظار طويلاً.
لطالما تصدت أوروبا للتدخل في الشرق الأوسط، وعزت الأسباب بجانب منها إلى نقص في القدرات العسكرية، وإمكانية الدول الأوروبية، الاستفادة بالمجان من الجهود الأميركية في هذا الصدد. وأعلن الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند، عقب الاعتداء الأخير على باريس «أن فرنسا بحالة حرب»، وهي قد أثبتت بالفعل أنها حليف قوي في مهاجمة «داعش» في الشرق الأوسط.
وتمتلك بلجيكا، في أحسن الأحوال، جزءاً بسيطاً من قدرة فرنسا العسكرية، لكن تلك الهجمات تسهم في زيادة الدعم الأوروبي الكلي لمناهضة الإرهاب في الشرق الأوسط، لا سيما في ظل اعتقاد الدول الأخرى، أنها على قائمة الأهداف التالية.
ويمكن لهذه الهجمات أن تؤدي إلى مزيد من الإجراءات الأمنية القمعية إزاء الشبكات المتشددة في أوروبا. وتسهم تلك الخسائر في أكثر من إعاقة قدرة «داعش» على تنفيذ هجمات مستقبلية، ذلك أن التنظيم يعتمد بشكل كبير على المقاتلين الأجانب للقيام بعمليات عسكرية، ومن شأن التضييق على شبكاته الأوروبية، أن يزيل أحد المصادر المهمة للحصول على الانتحاريين والمقاتلين الآخرين.
ونظراً لمروحة الردود الغربية المحتملة، فإن الهجمات الداعشية الدولية، تخاطر بتحويل المكاسب التكتيكية إلى خسائر استراتيجية. ويمكن للهجمات على الغرب، أن تنعكس سلباً على أولوية بناء الدولة المزمعة لـ «داعش»، تحديداً. ومن شأن الهجمات على بروكسل أو المدن الغربية الأخرى، أن يؤذي أعداء «داعش»، ويثير الحماسة في أتباعها، إلا أنه لن يؤدي إلى انتصارها.
ارتداد
يسهم وقوع الخسائر في إبعاد «داعش» عن تنفيذ غايته في «دعم وتمديد» ولايته البائسة. وتدحض الخسائر العسكرية، مزاعم التنظيم وتباهيه بإنشاء دولته، التي كلما تقلصت، بدلاً من أن تتسع، تدفع «داعش» لأن يثبت لأتباعه أنه ماضٍ في القتال.
يمكن للاعتداءات الاستعراضية الدموية، كتلك التي حصلت في بروكسل، أن تدفع المجندين في أوروبا والعالم العربي، للانخراط في صفوف التنظيم، لا سيما أن نسبة قليلة من مسلمي أوروبا، يشعرون بالتهميش والمرارة تجاه وطنهم الأم، ومن شأن الاتهامات المضادة، وتعزيز الإجراءات الأمنية أن يفاقما حجم المشكلة.
ويحقق «داعش» من خلال ضرب أي مدن أوروبية ما يحاول تصويره على أنه نجاحات للساخطين، حتى لو كان ذلك مجرد وهم عابر.

