شكلت ملامح الصورة التي أتقن الكاتب الأميركي جيفري غولدبيرغ رسم ملامحها وخطوطها المتعلقة برؤية الرئيس الأميركي باراك أوباما للأطلسي إنجازاً استثنائياً، يساعد على توضيح سبب تعثر أميركا اليوم، وتذبذبها على ساحة السياسة العالمية.
سيغادر أوباما البيت الأبيض مع سلة من الإنجازات العالمية الهامة، من بينها الاتفاق النووي مع إيران، والاتفاق التاريخي بشأن التغير المناخي، والاتفاقيات التجارية مع آسيا وأوروبا. ويحسب له أن عهده الرئاسي اتسم بالرصانة والوقار.
وقد كان أوباما محقاً ربما في تركيز حواراته مع غولدبيرغ على الإشكالية الأصعب في سياسة أميركا الخارجية، ألا وهي متى يجب على الرؤساء إصدار الأوامر للجيش بالتدخل في الحروب الخارجية، ومتى يجب أن يمتنعوا عن ذلك؟
إلا أنه وبتطرقه إلى هذه المسألة يبدو أوباما مصمماً على تحدي المبادئ التي اعتبرها الرؤساء بغاية الأهمية لممارسة النفوذ الأميركي، وهنا تلخيص لأبرز الأسس التي ارتكز عليها «مبدأ أوباما».
لقد أدركنا من خلال كل النجاحات والإخفاقات التي حققتها استراتيجية أميركا العالمية، منذ الحرب الباردة، نوع الأمور التي تجدي نفعاً، وبتنا نعلم أن الدبلوماسية الأميركية، على سبيل المثال، تكون أكثر فعالية حين تستند إلى جيش قوي، واستعداد للتهديد باستخدام القوة عند الضرورة.
ولهذا السبب يعد دفاع أوباما عن قراره التراجع عن ضرب أهداف عسكرية سورية عام 2013، بعد أن رسم «الخط الأحمر» ضد استخدام الرئيس السوري بشار الأسد للأسلحة الكيماوية، مقلقاً جداً. وهو يرفض بقوة الزعم القائل إن التراجع أدى إلى القضاء على مصداقية أميركا في المنطقة.
وبمعزل عن مدى تصديق أوباما بأن القواعد القديمة لم تعد قابلة للتطبيق، فإن الحقيقة الثابتة تقول إن القوة العظمى يجب أن تدعم تهديداتها إذا أرادت كسب احترام الصديق، وخوف العدو.
وإن لم يكن أوباما عازماً على احترام تهديد الخط الأحمر، ما كان عليه أن يطلقه أساساً، لا سيما أن ما أسفر عنه ذلك كان تراجعاً حتمياً لمصداقية أميركا في الشرق الأوسط، التي قابلها تعزيز لمصداقية روسيا بوتين.
قد لا يكون مصير أميركا السقوط في السنوات القليلة المقبلة، إلا أن البقاء في عليائها يعتمد كثيراً على تصميم قادتها. وإن تشديد أوباما على ما يجب ألا تفعل بدلاً مما يجب، يشير إلى محاذير سياسية.
وقد يكون أوباما محقاً حيال مسألة واحدة، ألا وهي أن الوقت قد حان للعودة إلى الدبلوماسية. ولا يزال أمامه متسع من الوقت لطرح رؤية أوسع وأكثر شمولية حول ما تستطيع أميركا، وما يجب عليها تحقيقه على الساحة العالمية.
وما يبعث على المزيد من الطمأنينة إقرار أوباما بأن الجمع بين الدبلوماسية والقوة العسكرية ليس معتقداً بالياً، بل الوسيلة الأضمن لأن تحقق القوة العظمى النجاح والسلام، في عالم مليء بالتعقيدات والمخاطر.
خطأ حقيقي
ينسى الأميركيون أحياناً أن الجيش الأميركي يشكل نحو 75 في المئة من إجمالي الإنفاق الدفاعي لحلف «ناتو»، ومع أن ذلك ليس من العدل تماماً فلطالما كان «ناتو» حلفاً تقوده الولايات المتحدة. ويتمثل الخطأ الكارثي في ليبيا في قرار أوباما السماح لأميركا، لأول مرة في التاريخ، بلعب دور ثانوي في مهمة هامة لـ«ناتو».
