تفوقت روسيا مجدداً، على ما يبدو، على قيادات الغرب في سوريا، عبر مناورة حملت في طياتها الكثير من الاستعراض و«المفاجأة». وفي حين انشغلت التحليلات في الجدال، حول ما إذا كان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قد اتبع استراتيجية صائبة، أو مجرد تكتيك وصولي النزعة، فمن الواضح أنه قد حقق هدفه الاستراتيجي الجوهري، المتمثل بإدراج روسيا مجدداً على الخريطة الجيوسياسية، وإرغام الغرب على تقبل حتمية أخذ المصالح الروسية بعين الاعتبار. إلا أن هناك دافعاً مضمراً يقبع خلف انسحاب بوتين الجزئي من سوريا.

يصح القول إن الروس يسحبون بعض الجنود والعتاد الحربي، إلا أن الانسحاب صوري إلى حدٍّ بعيد. على الرغم من عودة بعض المقاتلات التكتيكية إلى الوطن، فإنه لا يمكن الحسم، في ظل وصول أخرى. كما أنه لا توجد لدينا أرقام محددة ننطلق منها، وكل ما نعرفه، أن روسيا أبقت عدداً كافياً من الجنود الروس لتأمين الدعم اللوجستي لقواتها المتمركزة في قاعدة حميميم الجوية وميناء طرطوس.

والأهم من ذلك، أن روسيا أبقت على أسلحتها للحيلولة دون إنشاء ممر إنساني أو منطقة حظر جوي. الرسالة واضحة، ومفادها، أن الفرقة العسكرية الروسية الباقية، ليست قادرة على متابعة مسار الحرب وحسب، بل فرض حملتها على النظام الرئاسي، عبر التأكد من غياب المساعي الهادفة لقلب موازين القوى على الأرض، أو تخفيف وطأة الكارثة الإنسانية، التي ساعدت هي وحلفاؤها على التسبب بها.

أضف إلى ذلك، أن مجموعة من اللاعبين الأساسيين لم تغادر أرض المعركة في سوريا، من ضمنها آلاف عناصر الحرس الثوري الإيراني، ومقاتلي حزب الله، وتشكيلة من المليشيات من العراق وباكستان.

أوضحت روسيا، من خلال الانسحاب العسكري الجزئي من سوريا، بأنها تسعى للتأثير في الغرب، ومواصلة مسعاها في الاصطفاف مع النظام العالمي. بكلام آخر، فإن توقيت قرار بوتين، لم يكن بجوهره حول سوريا نفسها، أو «داعش» أو أي تهديد متشدد آخر لروسيا، بل إن التدخل الروسي برمته، وخلافاً للبيانات الرسمية، لم يكن في مصلحة سوريا أصلاً.

قلة هم المؤمنون باستمرار مفاعيل وقف إطلاق النار الحالي المؤقت، الذي حين ينهار، سينعكس لعب روسيا دوراً محورياً على طاولة المفاوضات. وقد أصبح العالم يدرك الآن، أن التوصل إلى السلام، يوجب التعامل مع روسيا، بوصفها اللاعب العالمي الأكبر المتورط مباشرة بالحرب السورية.

واستهدفت عملية سحب القوات، بما رافقها من مواكب واحتفاليات الداخل الروسي، وبعثت برسالة تقول، إن فشل وقف إطلاق النار، ليس خطأ الروس ولا مسؤوليتهم، بل خطأ قوى المعارضة وداعميها الغربيين، لا سيما أميركا وحلفائها.

ويكمن الدافع المستتر لروسيا، في إعداد أرضية المعركة السياسية للانهيار الحتمي لاتفاق وقف إطلاق النار، واستئناف الحرب الأهلية. ولا بد لروسيا، في هذا الإطار، من أن تضفي طابع الشرعية على أي تحركات تراها ضرورية عقب حصول الفشل. ولا بد أن تتمكن من الإظهار للغرب، كيف أنه فشل مجدداً، فيما تصوّر نفسها على أنها الجهة المتضررة مما حدث.

مصالح

لطالما آثرت روسيا مصالحها الذاتية في سوريا ، وقد تجلى ذلك في القصف العشوائي لجماعات المقاومة، وتعريفها الفضفاض للمجموعات المصنفة على أنها إرهابية. لذا، فإن روسيا قد أكملت انسحاباً جزئياً من سوريا، يصب من حيث الحقائق الميدانية والتوقيت في مصلحتها .