توقفت التفجيرات هذه المرة عند محطة بروكسل، فنسفت المطار ومحطة قطارات المترو، وأودت بحياة ما يزيد عن 30 شخصاً، وأصابت المئات بالجروح.
وبناءً عليه، أقفلت السلطات البلجيكية مطار العاصمة ومعظم أنحاء المدينة، وانتشرت حملات التفتيش، في ظل ظهور استفسارات غاضبة تتساءل عن سبب الاعتداء، وكيفية تخطيط تنظيم «داعش» الذي أعلن مسؤوليته، تفاصيل الكارثة، التي نزلت كالصاعقة على البلجيكيين والأوروبيين والعالم أجمع.
فهل جاءت العملية الإرهابية بمثابة رد انتقامي على اعتقال آخر الناجين المسؤولين عن تفجيرات باريس ؟ وما هي القضية المخفية التي يغفلها العالم؟
التكاتف ضد الإرهاب
سيتكفل الزمن بإماطة اللثام عن بعض الأسئلة التي تشغل الرأي العام، إلا أنها لن تكون سوى تفاصيل ضمن حقيقة جوهرية واحدة، مفادها أن بروكسل وأوروبا والعالم أجمع لابد أن يتكاتف في حملة التصدي والصراع الطويل ضد هذا النوع من الإرهاب. ويترجم ذلك على شكل مساع مكثفة مناهضة للإرهاب، كما يستدعي أعلى درجات التنسيق والتعاون بين الدول المعرضة للتهديد.
ويعني كذلك إظهار الشجاعة والرسوخ بوجه تهديد قد يتطلب التخلص منه والقضاء عليه سنوات طوالاً. إلا أنه لا يعني بالتأكيد الذهاب باتجاه الترويج الهستيري للخوف، على غرار ما سارع بعض السياسيين للتعبير عنه، سيما المرشح الجمهوري لرئاسة الولايات المتحدة الأميركية دونالد ترامب.
ومن المعلوم أن بلجيكا يذيع صيتها السلبي باعتبارها أضعف الحلقات في مقاومة الإرهاب، أضف إلى ذلك الانقسام الحاد الذي يسود الشعبين الفلامنكي والمتحدث بالفرنسية في البلاد، مما أمعن في إضعاف المؤسسات الاتحادية على غرار أجهزة الشرطة والقضاء ووكالة الاستخبارات.
ومع أن السلطات البلجيكية سارعت إلى إقفال مرافق المطار ومعظم أنحاء المدينة عقب حصول الاعتداء، إلا أن الدولة البلجيكية مطالبة بشدة وبشكل جدي بتعزيز أجهزتها الأمنية.
معالجة الوضع الأمني
استناداً إلى واقع انفتاح الحدود الداخلية الأوروبية، بما يعنيه ذلك من ثغرات، ندرك أنه لا يجوز ببساطة الإبقاء على حالة التسيب الأمني والأوضاع الفوضوية القائمة اليوم. علماً أن الاستعدادات السليمة والعمل الشرطي لا يستثني مطلقاً إمكانية ظهور متعصب دموي مسلّح بحزام من المتفجرات.
وعادةً ما يتسم التوجه الذي يعقب حدوث أي اعتداء بربري إلى كبح لجام الحريات والامتيازات المدنية. وقد سارعت الولايات المتحدة إلى إصدار قانون مكافحة الإرهاب أو «باتريوت آكت» بعيد اعتداءات الحادي عشر من سبتمبر 2001، مما أدى إلى إساءة استغلال سلطات المراقبة الممنوحة للحكومة.
وقد سارع ترامب في أعقاب اعتداءات بروكسل إلى تجديد مطالبه بإبقاء اللاجئين المسلمين خارج الحدود الأميركية، وإعادة إحياء مبدأ التعذيب، في حين أن منافسه عضو مجلس الشيوخ الأميركي السيناتور تيد كروز دعا إلى تسيير دوريات في أحياء المسلمين في الولايات المتحدة الأميركية.
إلا أن مثل تلك الإجراءات تشكل خدمةً لأهداف الإرهابيين، وتتسبب بإضعاف المجتمع الغربي من خلال نشر الخوف والرعب، وتأليب المواطنين بعضهم ضد البعض، وإذكاء مشاعر كره الأجانب، وزيادة تهميش الشباب المسلم وجره إلى التطرف.
لابد، طبعاً، من إدخال تغييرات ضرورية على الممارسات الأمنية، ومراقبة حفظ الأمن والنظام العام، وسير التحقيقات، لكن يجب القيام بذلك بحذر، وبعد إجراء نقاشات جدية ذات علاقة تأخذ بعين الاعتبار الحقوق المدنية وسيادة القانون.
لقد أبدى الشعب البلجيكي وشعوب الدول الأوروبية المجاورة تجاوباً حيال عمليات القتل الأحدث بروح من التضامن والتصميم على الاستمرار. ويتعين على السلطات المختصة القيام بكل ما يقع في إطار نفوذها للتعرف على المعتدين وتمييزهم، والتصدي لمثل تلك الأعمال الإرهابية.
كما ينبغي للاستجابة ضد الإرهاب أن تتضمن إعادة التأكيد على القيم الديمقراطية الجوهرية، ورفض الغوغائيين وكارهي الأجانب، الذين قد يستغلون مخاوف الشعب ودموعه.
رفع المعايير
لابد لبلجيكا من أن تسارع إلى رفع مستوى العمليات الأمنية وترقيتها إلى معايير أعلى. وتشتهر بروكسل بكونها عاصمة الأمر الواقع في أوروبا، إلا أنها سرعان ما تحولت إلى عاصمة النزعة المتشددة في القارة العجوز.
و تعتبر بلجيكا واحدةً من أكبر الجهات المزودة بالمقاتلين المنتمين إلى تنظيمات إرهابية في سوريا. وقد توافد العديد من القَتلة المسؤولين عن تنفيذ الاعتداءات الإرهابية التي هزت العاصمة الفرنسية، باريس، في نوفمبر الماضي من مولينبيك، التي تشكل إحدى البلديات التسع عشرة التابعة لإقليم بروكسل العاصمة في بلجيكا.

