انضمت بروكسل أخيراً إلى قائمة العواصم الأوروبية التي استهدفها الإرهاب العشوائي المتشدد، وبعد بضعة أشهر من هجمات باريس في 13 نوفمبر الماضي، كانت مشاهد الموت والجثث التي تنقل بعيداً والناجين الملطخين بالدم، الذين يتعثرون مبتعدين عن الحطام، شبيهة ليس بالصور الملتقطة في العاصمة الفرنسية فحسب، وإنما أيضاً في الصور الملتقطة في لندن في عام 2005، وفي مدريد في 2004.

تطور العنف المتشدد عبر السنوات وتعددت الجماعات التي ترتكبه مع انتقال التركيز الجغرافي أيضاً، الذي غالباً ما انصب على أماكن في العالم الإسلامي، ولكن إذا كانت هناك شكوك في أن تنظيم «داعش» يستهدف أوروبا بأسرها، فإن هذه الهجمات الأخيرة قد نحت تلك الشكوك جانباً.

يعد التوصل إلى كيفية إمكان حدوث ذلك وأين أخفق الأمن، شيئاً جوهرياً بالطبع. ولكن الجوهري أيضاً تحقيق الصمود والعزم الصلب. ومن المهم أيضاً أن يكون لدى بلجيكا وشريكاتها الأوروبيات رؤية لما يجري، وأن تحتفظ برباطة جأشها، فالحقوق والقيم التي تتمسك بها أوروبا سوف تكون موضع اختبار من خلال الطريقة التي تواجه بها مجتمعاتها الجماعات التي تريد أن تغرس الموت والانقسام في صفوفها. والحديث عن «حرب»، وبصفة خاصة حرب يحتمل أن تشمل أوروبا كلها، على نحو ما صرح رئيس الوزراء الفرنسي مانويل فالز بعد ساعات من هجمات بروكسل، فإنه يوجد أفخاخ خطيرة بينما لا يقدم حلولاً مقنعة.

لابد لأول رد فعل على هذه الأعمال الفظيعة أن يكون بالطبع تضامناً كلياً مع الضحايا وعائلاتهم، وقد سبق لبروكسل أن تعرضت للضربات من متطرفين من قبل، ففي 24 مايو 2014 فتح مسلح النار على متحف في المدينة وقتل 4 أشخاص، والهجمات الأخيرة كانت على نطاق مختلف، ومن سمات هذه الهجمات طابعها العشوائي.

وليس من الواضح بعد ما إذا كانت الهجمات الأخيرة تأتي رداً بأي شكل من الأشكال على إلقاء القبض في بروكسل قبل أربعة أيام على صلاح عبد السلام المشتبه في أنه مخطط الهجمات على باريس، ولكن من المؤكد أن أجهزة الأمن البلجيكية كانت بالتأكيد ومنذ وقت طويل مستنفرة.

الهدف المراوغ الذي يسعى إليه تنظيم «داعش» هو أن يطلق شكلاً من أشكال الحرب الأهلية بين جماعات أوروبا المختلفة، فالاندماج والمجتمعات المفتوحة هو أكثر ما يكرهه هذا التنظيم وما يريد تدميره.

إن سياق الحرب الذي يحاول «داعش» فرضه على أوروبا يفرض ضغوطاً صارمة على تماسكها الاجتماعي ونسيجها الديمقراطي في وقت السلم، ولابد من الإقرار بمعاناة الضحايا في بروكسل وكذلك نطاق التحدي الذي تواجهه أوروبا في محاولتها التوصل إلى مستقبل آمن للجميع، ولكن الرد المتوازي والمحسوب بعناية سيؤدي إلى المزيد في مجال مواجهة التحدي مقارنة برد الفعل غير المحسوب.

حلقة ضعيفة

ربما كانت بروكسل قد اختيرت لأن لها سواء بشكل منصف أو غير منصف سمعة تتمثل في كونها حلقة ضعيفة في التصدي للإرهاب، وضاحية مولينبيك التي كان صلاح عبد السلام يختبئ بها قبل القبض عليه، هو حي معروف بشبكاته الإجرامية ونزعته المتشددة، ولكن هذا لا يتعلق بمدينة واحدة فحسب، وسوف تشعر أوروبا ككل بالانزعاج من دون أن يرجع ذلك فحسب إلى أن الإرهابيين قد أظهروا الآن أن بمقدورهم تفجير القنابل على مسافة قصيرة من مؤسسات الاتحاد الأوروبي.