ما السبب الذي دفع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لاتخاذ قراره المفاجئ، أخيراً، بسحب قواته من سوريا؟، هل يعقل أنه اطلع على مقال جيفري غولدبيرغ الصادر حديثاً، وتوصّل إلى أن الرئيس الأميركي باراك أوباما محق حيال الفوضى في سوريا، وأنه يجب أن ينسحب قبل التورط أكثر في المستنقع؟.

يعتبر مقال غولدبيرغ آسراً وجديراً بالاعتماد والقبول، ويبرر السبب الذي يدفع الرؤساء عادةً إلى الاحتفاظ ببعض التفسيرات لإدراجها في مذكراتهم.

صراحة أوباما

يأتي المقال على قصة انقطاع حبل الودّ بين أوباما والعرب، ويتميز بصراحة مزعزعة، تجعل الأصدقاء والأعداء يكتشفون حقيقة تفكير أوباما، التي تعتبر عادة مسألة محاطة بالغموض البنّاء.

قد يظن المرء أنه في خضم أحداث الأزمة المتنقلة في سوريا، التي حصدت أرواح ما يزيد على 300 ألف شخص، ودمرت سوريا، وهددت استقرار أوروبا، قد تكون لأوباما أفكار أخرى حول حكمة قراره السياسي، لكن الأمر ليس كذلك.

ويقول غولدبيرغ في هذا الإطار: «مع اقتراب أوباما من نهاية عهده الرئاسي، فإنه يؤمن بأنه أسدى إلى بلاده خدمة جليلة، بإبقائها خارج دوامة الصراع السوري، ويعتقد، حسبما أظن، أن المؤرخين سيثنون يوماً على حكمة قراراته». من الصعب معرفة نوع القرارات الصائبة في سوريا، لكن كيف يمكن للمحصلة التي نشهدها اليوم، أن تكون موضع فخر للرئيس؟.

تحجيم الرهان الكوني

يغيب عن هذا المقال الشامل، موضوعان تم تحجيمهما على نحو غريب، لا سيما أنهما كانا يحتلان قائمة الأولويات بالنسبة لأوباما منذ أن تسلم مقاليد الرئاسة.

ويدور الموضوع الأول، حول نزعة أوباما للتوصل إلى اتفاق نووي مع إيران، وهو هدف وضع دونه العديد من الأهداف الشرق أوسطية الأخرى.

وفي تعليقات إلكترونية على مقال غولدبيرغ، نشرها كل من جاي سولومون من صحيفة «وول ستريت جورنال»، ودنيس روس المسؤول الرفيع السابق في إدارة أوباما، أشارا إلى أن أوباما لم يفرض فعلياً سياسة «الخط الأحمر» العسكرية ضد استخدام سوريا للأسلحة الكيماوية، لأنه لم يكن يرغب بإخراج المحادثات مع إيران عن المسار.

أما العنصر الثاني المغيّب عن المقال، فيتمحور حول ما يوصف بـ «الرهان الكوني»، الذي أطلقه أوباما على الأحزاب الإسلامية «المعتدلة» عام 2011.

وتعامل أوباما مع كل من الرئيس المصري السابق محمد مرسي، والرئيس التركي رجب طيب أردوغان، على أنهما أداتان للتغيير. وكان يمكن فهم هذا القرار في حينه، لكننا نستطيع أن ندرك اليوم أنه كان خطأً جسيماً، حوّر اتجاه الربيع العربي إلى مسار خطير، لم يتعافَ من تداعياته بعد.

ويبقى السؤال الأشمل في «مبدأ أوباما» مرتبطاً بصوابية تقليص «التمدد المفرط» لأميركا في الشرق الأوسط، على حدّ وصف مساعد البيت الأبيض بن رودس.

وأشار أوباما في تحليلاته، إلى أن الشرق الأوسط «لم يعد يمتلك تلك المكانة بالغة الأهمية بالنسبة للمصالح الأميركية، وأنه لا يوجد الكثير ليفعله أي رئيس أميركي، من شأنه تحسين المنطقة»، معتبراً أن تدخل بلاده يؤدي إلى مقتل جنود أميركيين «وبالتالي، استنفاد مصداقية وقوة الولايات المتحدة». وقد كان أوباما برأيي مخطئاً حيال القضايا الثلاث: أهمية الشرق الأوسط، إمكانية مساعدة أميركا، وامتناعها الذي يعود بالأذى على مكانتها الدولية.

لكن حتى لو كان محقاً في طرحه، فعليه أن يجيد تقدير درس واضح مستخلص من رئاسته، ألا وهو أنه كلما تراجعت أميركا في الشرق الأوسط، تقدم الآخرون. وروسيا قد ملأت الفراغ الذي خلفه انسحاب القوات الأميركية، تماماً كما فعلت إيران والسعودية و«داعش».

هل ستكون الولايات المتحدة أفضل حالاً، في عالم تتقدم فيه القوى الأخرى توازياً مع تراجعها؟ لا أعتقد.

رسائل

اتسمت نبرة أوباما، على امتداد مقال جولدبيرغ، بدرجة عالية من الثقة بالنفس، وباتخاذ منحى دفاعي مستهجن، ويشعر القارئ بأن الرئيس الأميركي كان ينتظر لينقض على مؤسسة السياسة الخارجية منذ عام 2009، حين شعر أنه دُفع إلى إرسال 30 ألف عنصر إضافي آخر إلى أفغانستان، برغم عدم اقتناعه بجدوى الخطوة.

ويكبح أوباما حجم توقعاته من الاتفاق النووي ، بحيث لا تتعدى الأطر المحددة لبرنامج إيران النووي. إلا أني أعتقد بأنه يعتبرها مدخلاً استراتيجياً هاماً في الشرق الأوسط، قد يؤدي في نهاية المطاف إلى إقامة توازن بين السنة والشيعة، ويرأب الصدع الذي يمزق أوصال المنطقة. وأظن شخصياً، أنه محق في اعتبار الخطوة ركيزة محتملة لبناء أمني جديد.