الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، مليء بالمفاجآت، وقراره بسحب «القوات العسكرية الرئيسة» لروسيا من سوريا، لم يكن يتوقعه أحد. ومن المفترض أن تكون حاشية الرئيس الروسي تبقيه على اطلاع على التفسيرات الأخيرة لمناورته السورية الأخيرة، بالتشديد دون شك على حصافة ونجاح تدخله الجريء في المنطقة.
فكيف تبدو جردة الحساب؟، وما هي دوافعه بقدر ما يمكن استشفاف دوافع أكثر رؤساء العالم مراوغة؟.
عندما دخل سلاح الجو الروسي الأجواء السورية، بدت ثلاثة من أهداف الرئيس الروسي واضحة.
الهدف الأول، إنقاذ نظام الرئيس السوري بشار الأسد المتداعي، والثاني، إعادة وجود روسيا كلاعب فاعل مهم في الشرق الأوسط، وبوتين الذي يسخر من الولايات المتحدة وأوروبا على إخفاق مغامراتهما لتغيير الأنظمة من العراق إلى ليبيا، يهدف بوضوح أيضاً إلى تلقين الغرب درساً، وبالتالي، تخفيف الضغوط الغربية الناجمة عن تدخله في أوكرانيا.
من البداية، ضربت الطائرات الحربية الروسية، قوات المعارضة السنية التي تهدد دمشق والجيب الساحلي للأسد في شمال غربي سوريا، بدلاً من المتشددين الداعشيين، الذين كانوا الهدف المعلن للعملية، واستخدم بوتين مفاوضات السلام التي ترأسها بالاشتراك مع الولايات المتحدة في جنيف، كستارة دخان لإخفاء نواياه الحقيقية، قام من ورائها بتدمير كامل لأي أرضية وسطية بين نظام الأسد و«داعش».
وهذا ليظهر الغرب أنه عقيم إلى حد لا يمكنه مساعدة قوات المعارضة السنية، التي كانت تدعمها الولايات المتحدة والحلفاء الإقليميون ضد قوات الأسد.
هدفان مزدوجان
وقد استعاد النظام أراضي، واحتشد المزيد من اللاجئين على الحدود التركية، وقامت سياسة بوتين في سوريا بهدفين مزدوجين، كما سياسته الأوروبية، بمفاقمة أزمة المهاجرين، التي تقسم الاتحاد الأوروبي، وتعمل على استقطاب سياسات بعض الدول الأعضاء فيها.
وكانت مكافأة بوتين، أنها أضافت إلى إحباطات الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، الذي يمتد عبر أراضيه طريق اللاجئين إلى أوروبا.
وبعد أن ساهم في تقسيم سوريا، الحاصل بفعل الأمر الواقع، من خلال دعم دفاعات دويلة الأسد، قام بوتين بعد ذلك بمد العون الروسي إلى المليشيات الكردية السورية المدعومة أميركياً، التي يمكنها قتالها ضد «داعش» من تجميع كيان كردي جنوب الحدود التركية، وهو الكيان الذي يعتبر حلّه هدف أردوغان الأعظم الآن.
لكن ما هي لعبة الكرملين الآن؟.
يمكن أن يستنتج من القرار، أن الأسد ليس له مستقبل على المدى الطويل، ونظامه الأقلية، ارتكب أعمال قتل واسعة النطاق بين غالبية أهل السنة في سوريا. فلماذا يجري تكبد عداوة السنة المريرة في سوريا، وفي جميع أنحاء الشرق الأوسط وداخل حدود روسيا؟
رغم ذلك، فإن لدى روسيا أقصى ما تخشاه من المقاتلين الأجانب العائدين من سوريا والعراق، و«داعش» إجمالاً ينفق على متطوعين أوروبيين للقيام بهجمات انتحارية، تمهد الطريق لمقاتلي النخبة.
وحتى الآن، هناك الكثير من الفرضيات، ويمكن لبوتين وحده أن يعلم ما إذا كانت هذه بداية المرحلة النهائية في سوريا.
تساؤل
ما هي لعبة الكرملين الآن؟، فالانسحاب الروسي من سوريا، يتزامن مع استئناف مباحثات السلام في جنيف، وعلى الرغم من وقف إطلاق النار الجزئي في سوريا، إلا أنه يبدو ميؤوساً منه، حتى لو قال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، إن هدفه من التدخل كان دوماً إيجاد الظروف لانتقال سياسي للخروج من الحرب.

