أمضت روسيا شهوراً في سوريا تستخدم طائراتها، وقطع المدفعية المتوافرة لديها، وقواتها البرية، دعما للحكومة الهشة للرئيس السوري بشار الأسد، وقرارها البدء في انسحاب عسكري كبير، يُظهر أنها ربما تبحث عن طريقة للخروج من الصراع، وأنها قد تكون منفتحة على حكومة سورية بقيادة شخص غير الأسد.

لكن مسؤولين أميركيين، حذروا من أن موسكو لم تنقل بعد كامل المعدات العسكرية خارج سوريا، وقالوا إنه من السابق لأوانه، قياس عديد القوات التي قد يكون الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على استعداد لأن يعيدها إلى دياره في النهاية. ومع ذلك، فإن الإعلان المفاجئ لبوتين أخيراً، أن «الجزء الرئيس من قواتنا العسكرية سيبدأ بالانسحاب» من سوريا، يمكن أن يعني نهاية للدعم الروسي غير المشروط للأسد، ويوفر مبرراً استثنائياً للتفاؤل، بأنه يمكن أن يكون هناك حل دبلوماسي للمذابح التي لا تتوقف في البلاد.

يقول الخبير السوري في معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى، أندرو تابلر: «يبدو أن روسيا قد تكون تعيد تقييم دعمها للأسد، من أجل الضغط عليه لتقديم تنازلات على طاولة المفاوضات، وحتى الآن، ليس هناك مؤشرات تشير إلى أن الأسد على استعداد للتخلي عن أي شيء يذكر».

ذلك لأن الأسد، على الأقل حتى هذه اللحظة، ليس لديه سبب جوهري للنظر في التخلي عن السلطة. فالوجود العسكري الروسي قام بتدعيم دفاعاته، وسمح للقوات السورية الحكومية بالاقتراب أكثر من مدينة حلب. وقد أقر الرئيس الأميركي باراك أوباما، وغيره من القادة الغربيين، بأنهم يمكن أن يقبلوا ببقاء الأسد في منصبه الحالي بشكل مؤقت، بينما يتواصل القتال ضد «داعش»، ما أثار غضب دول ذات روابط وثيقة مع مجموعات المعارضة التي تعمل للإطاحة بالأسد.

تحذير مزدوج

لكن بعض المحللين يقولون إن الثقة المتعالية بالنفس للنظام، بدأت في التناقص تدريجياً. يفيد جاشوا لانديز مدير مركز دراسات الشرق الأوسط في جامعة أوكلاهوما، بأن خطط انسحاب بوتين من سوريا، تفيد بأنه لن يدعم الأسد «على طول الطريق»، لكن لانديز يقول إن الخطوة من المرجح أن تكون موجهة أيضاً إلى واشنطن، التي تثير إحباط موسكو برفضها العمل مع بوتين لمحاربة تنظيم «داعش». يقول لانديز «هذا تحذير لواشنطن أيضاً»، ومفاده «سنترك، وستقع الملامة عليكم في كل ما يجري في سوريا».

ووفقاً لبيان صادر عن البيت الأبيض، تحدث كل من الرئيسين أوباما وبوتين، بعد الإعلان الروسي أثناء مكالمة هاتفية عن الانسحاب الجزئي، و«الخطوات التالية المطلوبة للتطبيق الكامل لوقف القتال».

ومن المرجح أن تكون حسابات بوتين، في جانب منها، تعزيز مكاسبه الخاصة في سوريا، مع الحد من شهية المفاوضين في جنيف. ويقول المحلل في معهد دراسات الحرب كريستوفر كوزاك: «يشعر بوتين على الأرجح بأنه في موقف مناسب لانتزاع أقصى المنافع من المفاوضات الجارية بأقل تكلفة ممكنة، واتخاذ موقف متشدد من جانب الأسد، يشعل الصراع، ويهدد هذه المكاسب على المدى الطويل».

متحدثاً أمام الصحافيين بعد الإعلان الروسي، قال السفير الروسي لدى الأمم المتحدة فيتالي تشوركين، إن روسيا ستواصل الحفاظ على وجودها العسكري في سوريا، بما في ذلك الطائرات الموجهة عن بعد، في سبيل ضمان الحفاظ على وقف إطلاق النار أو وقف القتال، مضيفاً أن جهود روسيا الدبلوماسية، ستركز بشكل مباشر على تحقيق تسوية سياسية لإنهاء الصراع السوري. وأكد «نحن في وضع سياسي الآن، في حالة وقف الأعمال القتالية».

وفيما لم يتضح نوع الدور الذي يمكن أن تواصل روسيا القيام به في سوريا، قال تشوركين إن «القتال ضد الإرهابيين»، سيتواصل في سوريا.

في يناير الماضي، قال الجنرال جوزيف دنفورد رئيس هيئة الأركان المشتركة، إن النظام «في وضع أفضل الآن» عما كان عليه قبل التدخل الروسي، وحذر السناتور ماكين، من أن رحى الحرب من المرجح أن تستمر في الدوران من دون نتيجة.

مصير المفاوضات

كان قصف الطائرات الروسية المكثف على مدى أشهر، قد أفسح المجال للنظام السوري في تعزيز مكاسبه في غربي البلاد، فيما أفقد قوى المعارضة، توازنها. كما سمح الدعم الروسي للقوات السورية بإعادة تنظيم صفوفها وإعادة التزود بالمؤن بعد سنوات من القتال العنيف، وقد أخذ النظام هذه المكاسب إلى طاولة المفاوضات في جنيف. وبدت المناقشات بأنها ستخرج عن السكة على نحو خطير في الأيام التي سبقت إعلان بوتين، فقد رسمت الحكومة السورية مجموعة من الخطوط الحمراء الجديدة، بشأن مضمون المفاوضات.