كان الانتقاد الذي وجهه الرئيس الأميركي باراك أوباما لرئيس وزراء بريطانيا ديفيد كاميرون مبالغاً فيه بشأن إهمال هذا الأخير المزعوم لليبيا في أعقاب ثورة، 2011 التي ساندتها بريطانيا ضد الرئيس الليبي السابق معمر القذافي.
وتحجب هذه الضجة المصطنعة قصة أهم، وهي بداية محاولة في الظاهر لأوباما لإيضاح وتبرير معالجته المثيرة للجدل للشؤون الدولية، لا سيما الشرق الأوسط، منذ توليه المنصب في عام 2009.
لكن أوباما محق بشأن ليبيا، فقد وعد كاميرون بأكثر مما يستطيع تقديمه فيما يتعلق بتشكيل حكومة قابلة للحياة في بلاد تنقصها كل التقاليد الديمقراطية.
وكرئيس وزراء مبتدئ وغير مدرب في العلاقات الدولية تم اقتياد كاميرون من قبل الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي، الذي استفاد بالكامل من التدخل الأنجلو فرنسي، بينما كان سعيداً بالحد من دور أوباما في نطاق محدود جداً.
ومع ذلك، ما حصل في ليبيا في السنوات الخمس الماضية، من انهيار للسلطة المركزية، وتدهور البلاد إلى الفوضى، وصعود منظمات طفيلية مثل «داعش»، وانتشار عدوى عدم الاستقرار عبر المنطقة، لا يمكن أن تقع مسؤوليته بالكامل على بريطانيا وفرنسا. وكما يعترف أوباما، لم يكن يريد أن يتولى زمام المبادرة.
لم يكن يريد أن يخاطر بأرواح أميركية، أو ينفق الأموال. لكنه كان يريد أن يسيطر ويوجه التحالف، بما في ذلك أوروبا وغيرها من الدول بمباركة الأمم المتحدة.
وهذه التجربة بجهاز التحكم عن بعد لم تنجح، وتواجه ليبيا الآن موجة وشيكة أخرى من التدخل العسكري الغربي.
وتشير التجربة الليبية إلى مشكلة أكبر في نهج أوباما تجاه العالم، بالإجمالي يبقى أوباما متردداً للغاية بشأن المدى الذي مازالت القيادة الأميركية التقليدية للعالم ما بعد الحرب تخدم المصالح الوطنية للولايات المتحدة.
ويبذل جهوداً غير عادية لتبرير تغيير موقفه في أغسطس 2013، عندما اختار في اللحظة الأخيرة عدم التدخل عسكرياً في سوريا. وكان قد قرر البدء بالقصف فقط قبل أيام، لأن الأسد تجاوز «الخط الأحمر» الذي وضعه.
وفي حالة وداع، الآن يقول أوباما إنه فخور لأنه غير رأيه، لأن هذا أظهر أنه من القوة بما في الكفاية لرفض الضغوط النابعة من النخب في المؤسسة السياسية والعسكرية والخارجية لواشنطن. وتملي هذه الضغوط أن الرئيس يتعين عليه استخدام القوة العسكرية للحفاظ على مصداقية الولايات المتحدة، يقول: «حيثما تتعرض أميركا لتهديد، فإن قواعد اللعبة التي نمارسها تنجح.
لكن هذه القواعد قد تكون أيضاً فخاً يمكن أن يؤدي إلى قرارات سيئة. وفي غمار تحد مثل سوريا، يجري الحكم عليك بقسوة إذا لم تتبع قواعد اللعبة، حتى لو كانت هناك أسباب وجيهة تفيد بأن هذه القواعد لا تنطبق».
يضفي أوباما، لمحة ثقافية على قراره، جاعلاً منه قضية مبدأ واستراتيجية. المشكلة في التمرين الذهني لديه هو أن «الأسباب الوجيهة» التي هي الفرضية التي ينطلق منها تتجاهل القصة الحقيقية.
فقد تأثرت المصلحة الوطنية الأميركية، ومصلحة حلفاء أميركا، بشكل كبير بفضل مراوغة أوباما السورية. محاولته الحفاظ على مظهر «الثقافي»، وعلى مظهر القيادة الأميركية للعالم القائمة على المبادئ الأخلاقية، مع التخلص من المسؤولية الجسيمة الواقعة عليه، والتوبيخ الحلفاء على فشلهم، لم تنجح في سوريا أكثر مما فعلت في ليبيا، والعراق وأفغانستان.
براغماتية
اعترى الرئيس الأميركي باراك أوباما الخوف الشديد حيال سوريا، لأنه أدرك أن الشهية لمغامرة مماثلة للعراق محدودة في الولايات المتحدة، والتصويت ضد التدخل البريطاني منحه تغطية، وأقنع نفسه بأن قصف منشآت الأسلحة الكيماوية لا يمكن أن ينجح. وعلى نقيض ما يقوله، كانت سياسته عبارة عن براغماتية صرفة.
