قلبت الخطوة التي أقدم عليها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ببدء سحب الجانب الرئيسي من القوات الروسية المرابطة في سوريا التوقعات في العواصم الغربية وفي صفوف السوريين العاديين، وأطلقت تكهنات محمومة حول نواياه، تماماً كما حدث لدى انغماس بوتين في ميدان المعارك السورية قبل خمسة شهور.
وربما كانت التساؤلات الأكثر إلحاحاً هي كيف ستؤثر هذه الخطوة في نتيجة الحرب، وما الذي تعنيه بالنسبة للرئيس السوري بشار الأسد، ويمكن للقرار الروسي أن يكون مؤشراً لثقة جديدة في استقرار الأسد أو جهداً للضغط عليه للتفاوض مع خصومه السياسيين، أو قد يكون مؤشراً للأمرين كليهما.
ويجمع المراقبون السياسيون على أن بوتين قد قام بخطوته تلك في لحظة حاسمة بصفة خاصة مع دخول الأزمة السورية عامها السادس، ومحاولة وسيط الأمم المتحدة في جنيف ستيفان دي ميستورا إحياء محادثات السلام لإيقاف الحرب .
ففي شرقي أوكرانيا تواصل القتال من جانب المتمردين المؤيدين لموسكو، وذلك برغم أن بوتين تعهد بالعمل بمحادثات السلام، ولكن روسيا تواجه أيضاً مشكلات اقتصادية متفاقمة سببها انهيار أسعار النفط والخطوة التي أقدم عليها بوتين ربما تعكس رغبته في إعلان النصر والخروج ببلاده من مغامرة عسكرية باهظة التكاليف.
وقد كانت هناك مؤشرات متزايدة على الخلافات بين روسيا والحكومة السورية حول محادثات جنيف التي ضغطت موسكو من أجل المضي بها قدماً إلى جانب واشنطن. وبالنسبة للأسد فإن ترك روسيا له ليدافع عن نفسه سيجعله يركز على أن يحذو حذوها، وهي نصيحة وجهها إليه مسؤولون روس علناً في الأيام القليلة الماضية.
ويقول أندرو تايلر الباحث في الشؤون السورية في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى: "إنني أشك بجدية في أن موسكو تدخل في قطيعة مع الأسد، فالقرار الروسي يبدو وكأنه يعيد الثقل العسكري إلى الأسد لجعله يلين موقفه التفاوضي".
وكانت موسكو قد أعربت أخيراً عن درجة من الشعور بالإحباط، فقد أطلق الأسد ومستشاروه ثلاث مرات في الأسبوعين الماضيين تصريحات تبتعد بشكل ملحوظ عن هدف روسيا المعلن المتعلق بالمحادثات، وكان أحدثها إعلان وزير الخارجية السوري أن حكم الأسد يشكل خطاً أحمر، وأنه لن يجري التفاوض حول الانتخابات الرئاسية.
وقد تكون الخطوة الروسية أيضاً انعكاساً لثقة بوتين الآن في أن الأسد قد جدد استقراره ويمكنه التراجع قليلاً والانطلاق في العمل السياسي.
ومن الناحية العملية فإن بوتين حقق الكثير من أهدافه الرئيسية، حيث أعاد روسيا إلى الساحة المركزية باعتبارها قوة عالية ومنع من حيث المبدأ تغيير النظام السوري من قبل قوى خارجية، وبصفة خاصة القوى الغربية، وكسب موطئ قدم أكثر قوة في سوريا، وقوى وضع الأسد.
ويمكن الذهاب إلى القول إن بوتين ليس لديه الكثير مما يمكن أن يخسره، فروسيا يمكنها استئناف الضربات من قاعدتها في اللاذقية حسبما تريد، كما يمكنها دعم قوات الأسد وحلفائه على الأرض، مع تقديم الأسلحة والأموال للحكومة السورية.
تراجع
كان الأسد قد بدا في الصيف الماضي معرضاً لتهديد أكبر مما تعرض له خلال سنوات، أما الآن فإن الكثير من مكاسب المعارضة السورية قد تراجعت، وهذا لا يضع الأسد في موقف يتيح له إعادة السيطرة على سوريا بأكملها، ولكنه أنقذه من المواقف الحرجة التي تعرض لها في السابق.

