مع إحكام تنظيم «داعش» قبضته على مدينة سرت الساحلية، كانت هناك تلميحات، أخيراً، إلى أن التنظيم سيكون هدفاً للغارات الجوية الأميركية مستقبلاً.
وسبق أن شن الأميركيون غارة جوية على موقع، أفيد بأنه مخيم تدريب لتنظيم «داعش» في صبراته، على مقربة من الحدود مع تونس، ويقول المراقبون إنها مسألة وقت، قبل أن يحولوا انتباههم إلى مدينة سرت، تلك المدينة التي كانت المعقل الأخير لنظام الرئيس الليبي السابق معمر القذافي، حتى مصرعه في أكتوبر من عام 2011.
وبعض سكان سرت كانوا من مناصري النظام الليبي السابق، كما هي حال عدد من القبائل والجماعات الليبية، رغم اعتصامهم بالصمت وعدم جهرهم بالأمر.
علاوة على ذلك، فإن العديد من سكان المدينة اليوم، يتخذون موقفاً عدائياً من مليشيات مصراتة، التي سيطرت على المدينة عشية إخضاعها في عام 2011.
وإذا سألتهم عن السبب، فجوابهم بسيط: مليشيات مصراته دمرت المدينة، ونهبت الأملاك، وقتلت الأبرياء، وسجنت مئات الأشخاص من دون محاكمة، وميزت ضد من كان يفترض بها أن تعمل على إعتاقه وحمايته، لمجرد أنهم كانوا متعاطفين مع القذافي.
وبعض الملاحظات الشعبية حول داعش والمليشيات يتعين رؤيتها كتصريح يعبر عن حالة الهلع والغضب من مليشيات مصراته، وليست ترحيباً بتنظيم «داعش» بأي حال.
خطوط قبلية
ويجدر بنا تذكر أن سكان سرت المختلطين منقسمون، مثل العديد من المدن في ليبيا، وفقاً لخطوط قبلية، وأن معظم أبناء القبائل يكرهون تنظيم «داعش»، وعلى استعداد للقيام بدورهم في التخلص منه.
وحاولوا في الواقع القيام بذلك الصيف الماضي، بعواقب وخيمة حلت عليهم، إذ إنهم لم يحصلوا على أي دعم أو مساندة من حكومة طرابلس. ومنذ فترة وجيزة، قتل قناص في سرت يدعى خالد الورفللي مع عائلته، عندما اقتحم تنظيم «داعش» منزله.
وينبغي أن نضع في الاعتبار أيضاً، أن معظم سكان سرت يشيرون إلى تلك الحادثة، كبرهان على أن مليشيات مصراته قامت بتسليم سرت عملياً إلى «داعش» من دون قتال.
وبينما تبدو القوى الغربية على استعداد الآن للتدخل في سرت، فإنه يتعين عليها أن تضع في الاعتبار، أنه من باب التضليل، ربط تنظيم «داعش» بأنصار النظام السابق، ولن يؤدي ذلك إلا إلى مزيد من تهميش الناس الذين سيكون بمقدورهم مواجهة «داعش» وهزيمته على الأرض، ما إن يصلهم الدعم الذي يحتاجونه.
ولم يكن ممكناً أن يبزغ تنظيم «داعش» من دون نوع من الاحتضان الاجتماعي، وعدوه الأكبر هو المجتمع القائم على القبيلة، حيث إن للقبائل سلطة أخلاقية مهيمنة وقيادة جماعية. في حالة سرت، تفكك التماسك القبلي بسبب اضطرار ألوف الأشخاص للفرار بين أعوام 2011 و2013، وما زال في السجون .
أسباب عديدة
وكما رأينا في سوريا والعراق، فإن قصف «داعش» في سرت، لن يحل المشكلة، وقد ينتج عنه سقوط عدد كبير من القتلى في صفوف المدنيين، وهذا من شأنه أن يدفع بمزيد من المنتسبين المحتملين إلى ذراع «داعش». كما من الممكن أن يحرم الذين يرغبون في أن يصبحوا محررين للمدينة، من تعاون السكان الذين يعرفون المنطقة جيداً، وعلى دراية بتكتيكات «داعش» داخلها.
ليبيا تفتقر اليوم إلى الأمن والنظام والسلم، وهي مليئة بالمليشيات المسلحة من جميع الأنواع، ولا ينبغي لأي خطط عسكرية ضد «داعش» في ليبيا، أن تجسد وجهة النظر السياسية، التي تربط ذلك التنظيم بأنصار النظام السابق، وإلا فسيحكم عليها بالفشل لحظة انطلاقها.
موقف
أشارت مكاسب «داعش» في ليبيا، إلى أن الولايات المتحدة تحرز تقدماً محدوداً نحو تطبيق تعهد الرئيس الأميركي باراك أوباما، بـ «إضعاف داعش وتدميره في النهاية».
وتهديد التنظيم لشمال أفريقيا اتضح في أوائل عام 2015، عندما شن مسلحون مدربون في ليبيا، هجومين كبيرين في تونس. وخلال باقي العام، كان «داعش» يرسخ سيطرته على جيب حول مدينة سرت. وقد وصفت صحيفة «نيويورك تايمز»، المدينة في نوفمبر 2015، بأنها: «مستعمرة لداعش، مزدحمة بالمقاتلين الأجانب».
واستناداً إلى الصحيفة، تعرض أوباما «لضغوط من قبل بعض مساعديه الأمنيين، للموافقة على استخدام قوات أميركية في ليبيا »، لكن بعد أسبوعين، أفادت «ديلي بيست»، بأن الرئيس استبعد عمليات عسكرية كبيرة.
