لم يشهد الاتحاد الأوروبي لسنوات قمماً أهم من تلك التي عُقدت في بروكسل، أخيراً، للبحث في أزمة المهاجرين، سيما أن التصدي على نحو مناسب لسيل اللاجئين المتدفقين إلى أوروبا عام 2015 لا يزال يندرج في فئة المسائل العالقة. إلا أن تفادي تحويل عام 2016 إلى نسخة ثانية شبيهة أو أكثر تعقيداً من سابقه يشكل أحد الأمور الملحة على الساحة الأوروبية اليوم على الأقل. وتبقى الخلافات البريطانية مع الاتحاد الأوروبي بالمقارنة مجرد مشكلات من الدرجة الثانية على أفضل تقدير.

وسواء أثبتت القمة ارتقاءها إلى مستوى التحديات أو لا مسألة تعتمد بجانبٍ منها، دون أدنى شك، على بنود الاتفاقية التي كان يعتزم الاتحاد الأوروبي وتركيا التوصل إليها، أخيراً. كما أنها تتكل على نحو أكبر على كيفية التطبيق.

لكن بما أن التطبيق بقي منحصراً في يد الدول التي وضعت مصالحها الذاتية وخشيتها من اللاجئين بشكل أساسي فوق كل اعتبار، فإن الشعور بالتفاؤل ليس بالأمر السهل هذه المرة.

ومن جهة أخرى، يعلق كل من اللاعبين السياسيين أملاً كبيراً على التوصل لحلّ ناجح، وتبرز على نحو خاص مصلحة جماعية كبرى تعني الاتحاد الأوروبي نفسه، سيما أن ثلاثة من مبادئه الرئيسية عرضة للخطر.

ويتمحور المبدأ الأول حول التنسيق الذي هو الحلّ الأفضل لجميع مشكلات القارة، والثاني حول حرية التحرك عبر بلدان الاتحاد الأوروبي التي تعتبر مصلحة عامة، وثالثاً، الإيمان بالقيم الأوروبية واحترام حقوق الإنسان. وقد انتاب سجل هذه المبادئ التشويش والضعف.

ويُعلّق الكثير من الآمال كذلك على أي صفقة تعقد مع كل من الدول الأعضاء منفردة. وتواجه المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، مثلاً، تراجعاً حاداً على مستوى الداخل إزاء النهج الليبرالي والإنساني الذي تبنته الصيف الماضي.

ومن هنا تبرز الحاجة الضرورية للتوصل لاتفاقية عملية مجدية تخفف من حدة التوترات في ألمانيا، قبيل خوض ثلاث عمليات انتخابية إقليمية مفصلية. وقد وجدت ثلاث دول تتبنى السياسات الليبرالية نفسها في الموقف نفسه.

وفي السياق عينه، يحتاج رئيس وزراء اليونان ألكسيس تسيبراس لأن يضع القيود على سيل المتدفقين إلى البلاد، إذا كان يرغب باستعادة السيطرة على علاقات أثينا المتوترة أصلاً مع أوروبا. ولهذا السبب فإن ممارسة المزيد من الضغوط على الأتراك لحضهم على إدراك طبيعة الموقف وتحمّل مسؤولية أكبر، أمر مهم للغاية، تماماً بأهمية الحفاظ على الوحدة والتضامن البحريين للاتحاد الأوروبي.

وينبغي على تركيا من جهتها أيضاً أن تبذل جهوداً صعبة للتأثير على الرأي العام المحلي. ويحتاج رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون، على نحو مماثل لصيغة حلّ عملاني تنقذ الموقف.

ويذكر، أخيراً، أن السياسيين ليسوا العنصر الأهم في ما يجري، بل هم الهاربون من سوريا الغارقة بالحرب الأهلية، يحدوهم أمل ضئيل بعودة قريبة، ويبدون الاستعداد للتضحية بكل ما يملكون في عرض البحار، وعبر الجبال والأسلاك الشائكة الحدودية. لا شك بأن السياسة بحد ذاتها تعتبر بالغة الأهمية، في كل مكان من العالم، إلا أن الاختبار الأبلغ لأي اتفاق يكمن في طريقة التعامل مع معاناة الناس.

انسلاخ

لعبت بريطانيا دوراً منسلخاً عن بقية دول الاتحاد الأوروبي عام 2015، إلا أنه في ظل الاستفتاء الذي يلوح في الأفق، فإن كاميرون يحتاج كثيراً لاتفاق فاعل لا يخفف حدة أزمة اللاجئين في تفكير الرأي العام البريطاني، بل يثبت للناخبين أن التعاون على مستوى الاتحاد الأوروبي يجدي نفعاً.