نادراً ما شهد الشرق الأوسط الحديث فترات هدوء واستقرار، إلا أن الأمور لم يسبق أن وصلت إلى هذا الحد من التدهور يوماً.

بدءاً بالحروب الأهلية الضارية التي تضرب العراق وليبيا وسوريا واليمن، وبوادر الصراعات التي تلوح في بلدان أخرى مجاورة، بما فيها من تداعيات وانعكاسات على استقرار المنطقة برمتها، مروراً بارتفاع حدة التوترات التي تنذر بحروب دينية تلف الشرق الأوسط، ومشهد العنف المتجدد في مسلسل الصراع العربي الإسرائيلي، وتخوّف الدول التي نجحت حتى الآن في إبعاد شبح الحروب عنها، لم تبلغ الفوضى هذا الحدّ في الشرق الأوسط منذ القرن الثالث عشر.

أضف إلى ذلك أنه من غير المرجح أن تستكين المنطقة في وقت قريب. ومهما أصرت الولايات المتحدة على أن يتحكم الشرق الأوسط بأموره، ويتوصل إلى حلّ الخلافات العالقة بالاعتماد على نفسه، فإنه لا يفعل ذلك، حيث يمعن بعض قادة المنطقة، بغياب التدخل الخارجي، في انتهاج استراتيجيات تفاقم المشكلات وتغذي انعدام الاستقرار.

وتعتبر الحروب الأهلية، تحديداً، مشكلة مستعصية قد تطول عقوداً إذا لم يحصل أي تدخل خارجي حاسم.

بين التدخل وفك الارتباط

بناءً على ذلك، يتعين على الرئيس الأميركي العتيد الاختيار بين بذل المزيد من الجهود لجلب الاستقرار، أو المضي نحو المزيد من فك الارتباط بالشرق الأوسط وقضاياه. لكن في ضوء حدة الزوابع التي تعصف بالمنطقة، فإن انتقاء أي من الخيارين، سواء الإقدام أو التراجع، سيكون بمثابة تكلفة باهظة على الولايات المتحدة تفوق تصوراتها النموذجية.

من نافل القول إن إحداث استقرار في المنطقة يتطلب المزيد من المصادر والطاقة والاهتمام. والرأسمال السياسي يتخطى إدراك أي من مناصري التدخل الأميركي.

وعلى نحو مماثل، فإن التخلي عن السيطرة والتملص من الالتزامات يستدعي تقبل خوض مخاطر أكبر من تلك التي يتخيلها أصحاب معسكر الانسحاب. وتعتبر تكاليف التدخل أكثر إمكانيةً من حيث تدبيرها من مخاطر التراجع والانسحاب، إلا أن أياً من الخيارين سيكون أفضل من التخبط على غير هدى أملاً في التوصل إلى نتائج إيجابية نوعاً ما.

ويستدعي فهم الخيارات الحقيقية الماثلة أمام الولايات المتحدة استيعاباً صادقاً لما يجري في المنطقة. ومع أن العادة درجت على إلقاء لوم المخاض الراهن على أكتاف الأحقاد القديمة ومخطط سايكس بيكو، فإن شرارة المشكلات الفعلية انطلقت مع انطلاق الأنظمة الحديثة.

تداعيات الانسحاب

ويبقى التحدي الأصعب حتماً للولايات المتحدة، إذا انسحبت من الشرق الأوسط، في وضع تصور حول كيفية الدفاع عن مصالحها عندما تواجهها تهديدات لا تملك أدوات كافية للتعامل معها.

لا شك في أن احتواء تداعيات الحرب الأهلية أمر بغاية الصعوبة، إلا أن التراجع في هذه المرحلة يعني المخاطرة بمشكلات في دول منها لبنان وتونس وتركيا. وعلى الرغم من أن أياً من تلك الدول لا تعتبر منتجة للنفط، إلا أن عدم استقرارها قد يتسلل إلى دول أخرى على المدى البعيد.

وفي ظل ما تقدم، فما ينبغي على أميركا القيام به هو رفض الاختيار بين التراجع والإقدام، وبدلاً من ذلك التحرك في منطقة وسطى، وتوظيف ما يكفي من المصادر لزيادة حملها من دون زيادة إمكانية أن تؤدي تحركاتها إلى تحسين الأمور.

وتتمثل المأساة الأكبر في أنه في ظل نزعة النهج السياسي في أميركا المتمثل في تجنب اتخاذ أي خطوات حاسمة، فإن الإدارة الأميركية المقبلة ستسعى حتماً لسلوك طريق من التخبط أملاً بالتوصل إلى نتائج إيجابية دون تخطيط مسبق. وبالنظر إلى مستوى الفوضى الذي تعيشه منطقة الشرق الأوسط حالياً، فإن رفض الاختيار سيثبت أنه الخيار الأسوأ على الإطلاق.

خطر جسيم

تتجلى الفائدة الأبرز من سياسة التراجع بأنها ستخفف حتماً العبء الذي تتكبده الولايات المتحدة في إحلال الاستقرار في الشرق الأوسط، في حين يكمن الخطر الأعظم في ما قد يتبع ذلك من مخاطر جسيمة. فما إن تبدأ أميركا بشطب الدول وتقليص لائحة البلدان التي ستتولى الدفاع عنها، فسيغدو الحد الذي ستتمكن من التوقف عنده غير واضح.

ويبرز هنا السؤال ما إذا كانت أميركا مستعدة للذهاب إلى حدّ نشر مئة ألف عنصر لحماية أحد حلفائها وإن كان الجواب بالنفي، فهل هناك من سبل أخرى تحول دون تعرض هذا الحليف للخطر؟ بالنظر إلى كل تلك المخاوف، يبقى المسار الأكثر حذراً للأميركيين في أن يستعدوا لدفع التكاليف، ويسارعوا إلى بث الاستقرار في المنطقة.