بعد مرور خمس سنوات على أحداث الثورة ضد نظام الزعيم الليبي السابق معمر القذافي، تتجه ليبيا بسرعة إلى أن تصبح جبهةً جديدة في حرب الغرب على «داعش». وقد تبلور هذا التحول في مجرى الأحداث، أخيراً، بعد أن نفذت أميركا عدداً من الضربات الجوية ضد التنظيم الذي استولى على مساحات واسعة من الساحل الليبي واستهدف المنشآت النفطية للبلاد.
وعلى الرغم من الحصيلة الفوضوية التي أسفر عنها تحرك الغرب ضد القذافي عام 2011، تبرز بعض المؤشرات التي تحمل مدلولات بحث عدد من الدول الأوروبية في إمكانية التدخل من جديد في ليبيا، جنباً إلى جنب مع الأميركيين، من أجل منع «داعش» من تأسيس قاعدة لإطلاق المزيد من الاعتداءات على أوروبا وشمال إفريقيا.
التردد الغربي
لكن على الرغم من أن خطط التحرك تخضع للبحث في كل من روما، وباريس ولندن، فإن القرار النهائي لم يتخذ بعد، كما لم يتضح ما إذا كان التدخل المزمع سيقتصر على هجمات جوية وحسب، أم سيتضمن إشراك عناصر مشاة. وقد أعلنت إيطاليا، أخيراً، عن منحها التفويض لقوات الجو الأميركية باستخدام قاعدتها في صقلية لتنفيذ هجمات طائرات موجهة عن بعد.
إلا أن القيام بأي عملية عسكرية دولية سيواجه مشكلة وجود الأساس القانوني الواضح. وفي ظل استبعاد التفويض الأممي بهذا الشأن، نظراً لضرورة الحصول على موافقة روسيا، فستبرز الحاجة لطلب رسمي من السلطات الليبية نفسها.
غير أن غياب التوافق على نوع الحكومة التي تمثل ليبيا، وفشل وساطة الأمم المتحدة للتوصل إلى اتفاق بين الفرقاء، وانقسام البلاد بين فريقين متنافسين حكومياً وبرلمانياً، أحدهما في العاصمة طرابلس، والآخر في مدينة طبرق الشرقية باعتراف من المجتمع الدولي. وأسفرت النتيجة عن فراغ في السلطة ملأه «داعش».
وأكد مسؤولون أميركيون أن الضربات الأخيرة لا تشكل بداية حملةٍ دولية جوية جديدة على ليبيا، علماً أن التوجه نحو ذلك قد يكون مجرد مسألة وقت.
لا بد من الحيلولة دون تحويل ليبيا إلى منصة انطلاق لـ«داعش»، إذ إن حصول ذلك سينعكس عواقب خطيرة ومدمرة على المنطقة برمتها، كما على أوروبا، وعلى نطاق لا ينحصر بكون ليبيا قد شكلت الممر الرئيسي للاجئين والمهاجرين المتجهين إلى أوروبا.
إلا أن إمكانية نشوب «حرب جديدة على الإرهاب» في ذلك الجزء من إفريقيا تستحق حتماً خوض المزيد من الجدالات والنقاش على نحو أكبر وأوسع مما نشهده اليوم.
الغاية حماية المنجزات
تمحورت المزاعم حول أن تدخل الغرب عام 2011 استهدف تهديدات القذافي الصريحة بتنفيذ ما بدا أقرب إلى المجزرة في بنغازي. لكن برزت أفكار أخرى أشمل نطاقاً، تشير إلى أن الغاية من التدخل الغربي كانت حماية ما تبقى من آمال للربيع العربي، لاسيما في تونس ومصر.
وقد لا يرى البعض في ليبيا إلا انحدارها نحو مستنقع من تناهش زعماء الحرب، الناجم بشكل حتمي عن الإطاحة بنظام القذافي، والتدخل المضلل الذي شهده عام 2011. إلا أن الرواية السائدة تتجاوز مسألة بغاية الأهمية، تتمثل بغياب مؤسسات الدولة الفاعلة ذات الجدوى، حتى في ظل عهد القذافي القمعي.
وتعزى حالة التفكك والانحلال في ليبيا بشكل كبير إلى غياب تركيز الجهود الدولية والمتابعة الدبلوماسية التي كان يجب أن تعقب أحداث العام 2011، حيث اتسمت جهود بث الاستقرار برعاية الأمم المتحدة بأنها غير كافية على نحو مخزٍ.
وها هي البلاد اليوم تعيش حالةً من الفوضى التي لا يمكن للغرب ولا يجدر به أصلاً التغاضي عنها، وإدارة الظهر لها. إلا أن تصويب المسار السياسي في ليبيا يحتاج إلى جدال يتسم بالانفتاح والمصداقية.
تخوف
تمثلت أحدث ضربات المقاتلات الأميركية بقصف مخيم لتدريب «داعش» في صبراتة الواقعة شمال غربي ليبيا، وقتل عدد من عناصر التنظيم، وفق ما أعلنه البنتاغون.
وأشار مسؤولون أميركيون إلى أن العملية استهدفت منفذ العملية التونسي المسؤول عن اعتداء سوسة عام 2015 الذي أسفر عن مصرع 38 شخصاً من بينهم 30 بريطانياً. إلا أن المسألة الأقل وضوحاً تتجسد في كيفية تبلور هذه الاستراتيجية واستمرارها في ظل غياب حكومة وحدة وطنية في ليبيا، قادرة على فرض سلطتها الشرعية على بلد مزقته الحرب.
وقد تزايد خوف أميركا وحلفائها من توسع رقعة سيطرة تنظيم «داعش» في ليبيا، حيث تقدّر أعداد المقاتلين المتشددين، وفق بعض المصادر، بنحو 6500 عنصر من العناصر المسلحة.
