بعد قرابة خمسة أشهر من الانتفاضة الثالثة، يبدو أن إسرائيل قد فقدت أعصابها بالكامل. وعلى الرغم من أن الإسرائيليين قد واجهوا فترات أعقد من الصراع مع الفلسطينيين في الماضي، إلا أن الحقبة الراهنة الحافلة بحوادث الطعن والدهس قد أخلت بتوازنهم.

علماً أنه في فترة الانتفاضة الثانية التي كانت عصيبةً على إسرائيل، في ظل التفجيرات الانتحارية بمعدل مرتين في الأسبوع عبر شوارع تل أبيب والقدس، تواصلت حملة الردّ الإسرائيلي الهمجي المتصلب، واستمرت وتيرة الحياة اليومية وحركة الأعمال، ولم تقفل المدارس أبوابها.

إلا أن الأمور اتخذت منحىً مغايراً هذه المرة، ففي حين بقيت أعداد الضحايا متدنية بالمقارنة مع بداية الانتفاضة الثانية عام 2010، اتسم ردّ فعل الحكومة الإسرائيلية بمزيد من الارتباك والتخبط.

وتنشط الحكومة الإسرائيلية اليوم في الترويج لقرار يتيح لأعضاء الكنيست تعليق عضوية زملائهم على خلفية دعم العنف، إضافة إلى العمل على «قانون الشفافية» الذي يلزم المنظمات غير الحكومية اليسارية التي تتلقى الدعم المالي من حكومات أجنبية بالتصريح عن قيمة المساعدات في تقارير رسمية.

وقاد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو حملةً شعواء ضد أعضاء الكنيست من العرب، بعد أن التقى ثلاثة منهم عائلات الشبان الفلسطينيين الذين قتلتهم الشرطة الإسرائيلية. وتوعد عرب 1948، بعد أن أطلق أحدهم النار في تل أبيب، بأن إسرائيل «ستعيش أبداً بقوة السيف» .

وتجلى الإحباط الإسرائيلي في مطالعة أحد مؤيدي حزب الليكود أعضاء الكنيست بمزحة ثقيلة، وسط دهشة الحاضرين تقول بأنه لا وجود لفلسطين لأن حرف الباء الموجود في لفظها الإنكليزي غير موجود بالعربية.

أما ردّ المعارضة الإسرائيلية على مجريات الوضع الفلسطيني الراهن، فاكتنفه الارتباك. وقد أعلن زعيم المعارضة إسحق هرتزوغ، أخيراً، بأن حلّ الدولتين المطروح حالياً ليس واقعياً.

اتسمت ولاية نتنياهو غير المنتهية كرئيس للوزراء بغياب الأحداث الخطيرة عموماً، ولطالما كانت هناك هوة عميقة بين خطابه العنيف وحذره الفعلي في استعمال القوة العسكرية. وقد تجنب الدخول في حرب غير ضرورية مع حزب الله، وحصر نطاق الصراع مع حركة حماس، وابدى إدراكاً أكبر لمخاطر الربيع العربي مما فعل بقية قادة الغرب.

إلا أن الانتفاضة الحالية أوقعت نتنياهو، كما الأجهزة الأمنية الإسرائيلية غير المستعدة تماماً. وحملت واحدة فقط من العمليات الـ280 التي وقعت منذ الأول من أكتوبر الماضي توقيع خلية منتظمة في حركة حماس، في حين اتخذت العمليات الأخرى الطابع الفردي، ونفذها شبان فلسطينيون لا سجلات أمنية لهم.

ويحاول الإسرائيليون اليوم تطوير سبل أفضل لمراقبة وسائل التواصل الاجتماعي الفلسطينية، على أمل أن توفر لهم مؤشرات على هجمات مستقبلية.

وغدا خطاب نتنياهو، في مواجهة تلك التحديات، أكثر عدوانيةً، إلا أن موقف إسرائيل العسكري الفعلي لم يطرأ عليه سوى تغييرات طفيفة. ويقف خلف هذا النهج الاحترازي للجيش الإسرائيلي موقف كل من وزير الحرب موشيه يعلون والجنرال غادي إيزنكوت، الذي يشكل مصدر التفاؤل النسبي الوحيد لبعض الإسرائيليين في المشهد متسارع السوداوية.

تزعزع

أطلقت منظمة «إن أردتم» الصهيونية اليمينية المتطرفة حملةً ضد عناصر اليسار، ووصفتهم بأنهم «مندسون» في إشارةٍ إلى مساعدتهم أعداء إسرائيل، حسب رأيها. وقامت شرطة القدس الإسرائيلية، أخيراً، باعتقال مراسلين من صحيفة «واشنطن بوست» للاشتباه بإقدامهما على «تحريض» الفلسطينيين .