ترك تحرير مناطق عراقية، أخيراً، من يد تنظيم «داعش» تأثيراً مفاجئاً في العراقيين، وجعلهم أكثر قنوطاً من ذي قبل. وهم يردون على السؤال حول إمكانية تبدل الأحوال باللامبالاة والتمني.
ويواجه المواطنون العراقيون اليوم موقفاً تقليدياً لعراق ما بعد الكارثة، خصوصاً بعد أن دمرت قراه، وغابت الأموال الكفيلة بإعادة البناء.
ولم يتم التوصل بعد إلى الاتفاق على هوية المجموعات التي ستؤمن الحماية وتتولى حكم المناطق وتلك التي سينحسر دورها. ويشكل عامل غياب الثقة المستجد الحاجز الأكبر والأكثر تحولاً في أوساط مواطني المناطق المحررة الذين ينظر أحدهم إلى الآخر على أنه متعامل، متفرج أو ضحية لتنظيم «داعش».
المصالحة والطرف الثالث
إذا تركت مؤثرات ما بعد الكارثة تلك دون علاج، وقد سبق أن أهملت بالفعل، فإنها ستؤدي إلى حرب ضروس، وأزمات سياسية تطيح بالانتصارات الميدانية على غرار ما حدث عام 2010.
ويتجلى هذا الواقع بوضوح في مناطق ما بعد احتلال «داعش» المتنازع عليها، حيث تبرز لدى كل من حكومة إقليم كردستان العراقي، في إربيل، وحكومة العراق الاتحادية في بغداد مطالب أكثر من السابق، ما يبعدهما خطوة عن توقيع الاتفاقات المحلية والوطنية الرامية إلى إحلال سلام مستدام. وذلك في الوقت الذي تكاثرت القوى المحلية ذات الولاءات المتفاوتة لكل من بغداد وأربيل وتسلحت.
إلا أن الوضع، على تعقيداته وتشابكه وانغماسه بالمناكدات والتخوين، فإنه ليس ميؤوساً منه بالكامل. ومن الواضح أن السياسة الأميركية لحلّ هذه المسألة لا تقتضي الدخول في صراعات الحرب، بل التوجه بشكل أبلغ نحو السلام، وهذا قرار صائب.
وهناك عدد من الشركاء المستعدين للقيام بالخطوة، حيث برز في كثير من المناطق الخاضعة لسيطرة التنظيم سابقاً لاعبون محليون مستعدون للعمل وخوض المخاطر باتجاه عقد اتفاقات مع أعداء سابقين، وإعادة السكان والبناء والمصالحة.
إلا أن اللاعبين المحليين والوطنيين لا يسعهم المصادقة على اتفاقات دائمة التأثير بمفردهم، حيث يسود الكثير من عدم الثقة، المتنامية عبر الزمن.
ولا بد، لإحلال السلام من طرف ثالث، سواء أميركا أو الأمم المتحدة أو معهد الولايات المتحدة للسلام، يساعد الأيزيديين والأكراد والسنة المستعدين لتوقيع اتفاقات فيما بينهم ومع الحكومة العراقية وحكومة كردستان. ويتعين على اللاعبين الخارجيين لنيل صفة الوسطاء النزهاء الحضور على أساس مستدام في المفاوضات الجارية على الصعيدين الوطني والمحلي.
المساعدات والحوكمة
ويتعين أيضاً على أميركا والبنك الدولي ربط المساعدات الدولية التي أكثر ما يحتاجها العراق، بقبول مبدأ الحوكمة الجامعة.
وقد أعلن نائب وزير الخارجية الأميركي طوني بلينكن في زيارة له، أخيراً، إلى العراق، عن تقديم مساعدات اقتصادية بقيمة 38.7 مليون دولار «دعماً لمبادرات الإصلاح الحكومية وجهود إحلال الاستقرار عقب الحرب». إلا أنه لم يأت على ذكر الجهات التي ستتولى مسؤولية توزيع تلك الأموال، ووفق أي توجهات.
كما أعلن البنك الدولي عن منح قرض للعراق في منتصف ديسمبر الماضي بقيمة 1.2 مليار دولار، إلا أن شروطه كانت أكثر التصاقاً بالإصلاحات الاقتصادية، وليس السياسية.
لقد فعلت أميركا الكثير لتحقيق الانتصارات العسكرية في العراق وسوريا، إلا أن تفادي تبديد الإنجازات يجعل لزاماً عليها، على الصعيدين الدبلوماسي والمالي، تثبيت دعائم السلام.
ويتعين على واشنطن وبقية أعضاء التحالف المناهض لـ«داعش» بقيادة أميركا، أن يستخدم نفوذه لفرض اتفاق طويل الأمد بين الفصائل المتناحرة والمجموعات الشعبية في مناطق ما بعد حكم التنظيم.
ويتمثل أحد أبرز الأسباب التي دفعت بـ«داعش» لدخول العراق بهذه السهولة، في تهميش الجماعات الطائفية والإثنية المحلية من قبل السلطات الكردية في أربيل والقادة السياسيين الوطنيين في بغداد.
وينبغي لقطع الطريق على «داعش» أو خلفه، ترسيخ الوجود، وإيجاد حل لهذه الإشكالية، في خطوة يجب أن تكون مهمة جميع الأطراف التي لعبت دوراً في تحقيق انتصارات العراق الأخيرة بما فيها الولايات المتحدة.
مشهد
لا يصعب كثيراً تخيل مشهد المماحكات في أكثر من منطقة من العراق متحررة من سيطرة «داعش»، لاسيما في سنجار، منطقة الغالبية الأيزيدية في محافظة نينوى التي هجرها العديد من سكانها عقب التحرير، ليس فقط بسبب تفشي الدمار، والتشاؤم من المستقبل، بل لتخوف كبير من كثرة العقد السياسية الشائكة.
لقد شهد العالم ما حصل حين كانت الولايات المتحدة المحرّك الرئيسي لقوات السنة عام 2007، بمعزل عن التنسيق مع الشيعة في بغداد.
وبعد أن أدركت عجز القوى الأجنبية عن فرض اتفاقات سياسية مستدامة، سعت أميركا إلى وضع المبادرة بأيدي القادة المحليين في أربيل وبغداد من أيزيديين وسنة وأكراد للتوافق فيما بينهم.
