وقفت إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما في مطلع عام 2014 مكتوفة الأيدي، إزاء تمدد طلائع تنظيم «داعش» في شرقي سوريا باتجاه العراق، واتخذت موقف المتفرج على مشهد سيطرة الإرهابيين على مدينة تلو الأخرى، بما في ذلك الموصل، محصنين بآلاف المقاتلين الأجانب المتطوعين.
وحين انطلقت الهجمات الجوية العسكرية الأميركية، أخيراً، لمنع سقوط كردستان العراق، كان التنظيم يستولي على ما يكفي من المناطق، والموارد الاقتصادية والعتاد العسكري، بما يخوله تعزيز قاعدته الرهيبة، التي لم تتأثر بالرغم من مرور ثمانية عشر شهراً على بدء عمليات القصف الأميركي.
وها هي جوانب كثيرة من المشهد تتكرر على الساحة الليبية، حيث يسيطر المقاتلون الليبيون المتحالفون مع تنظيم «داعش» على مدينة سرت، مسقط رأس الرئيس الليبي السابق معمر القذافي، التي تقع بين العاصمة طرابلس وبنغازي. ولا تشكل الغارة الأميركية الأخيرة في ليبيا انقطاعاً حقيقياً في استمرارية المشهد.
لطالما أبلغ كبار مستشاري أوباما للأمن القومي، على نحو علني أحياناً، بضرورة التحرك العسكري الملّح لوقف تدعيم بناء قاعدة إرهابية قوية جديدة هناك. وعلق الجنرال جوزيف دانفورد، رئيس هيئة الأركان المشتركة الأميركية، على المسألة بالقول: من المنصف القول إننا نبحث في إمكانية التحرك العسكري الحاسم،
غير أن البيت الأبيض ما زال يتبع سياسة التسويف، وقد انتهى أحد اللقاءات التي كان مقرراً أن تنظر، أخيراً، في اعتماد خيارات حاسمة من دون التوصل إلى أي قرارات، في حين يهدد التردد بتكرار سيناريو نكبة العراق.
ويبرر مسؤولون في الإدارة الأميركية الأسباب الرئيسة لعدم اتخاذ أي قرار في رغبتهم بتشكيل حكومة جديدة في ليبيا تسبق أي تدخل عسكري. وقد حاول أحد وسطاء الأمم المتحدة إقناع الحكومات المتناحرة في الغرب والشرق بالمصادقة على حكومة «وحدة»، قد تسعى لتشكيل جيش وطني يقضي على المتشددين. وقد ناقشت حكومة الغرب بالفعل مخططات اعتماد القوة، بقيادة إيطالية ربما، لحماية النظام الجديد، في حين لا يزال المدربون يعملون مع الجيش.
وتكمن المشكلة الأساسية التي تعترض هذا الطرح في وجود مقاومة للحكومة الجديدة من قبل جهتين، تتمثل أولاهما تحديداً بمناصري الفريق خليفة حفتر، الرجل القوي الليبي المحتمل، وجهة الاستقطاب التي تتولى قيادة القوات في الشرق.
وفي حين تشكل الموافقة خطوة نحو إعادة تأسيس دولة ليبيا، فإن العملية ستكون طويلة بالضرورة في أفضل الأحوال، وستتم على وقع ازدهار بنيان قوات «داعش».
يجب ألا يشكل الحلّ السياسي الليبي أحد متطلبات التحرك ضد تهديد الإرهاب، وقد اعترف أوباما، أخيراً، بوجود مشكلات تعتري تشكيل الحكومة، وأضاف: «إننا نستغل الفرص التي تمنع تقويض ليبيا من قبل التنظيم حين نراها سانحة». وهي تعتبر سانحة اليوم بالفعل، إذ يمكن لأميركا وحلفائها شن هجمات جوية مكثفة على سرت وتقديم المساعدة لقوات الحماية الليبية التي تحاول حماية منشآتها النفطية.
لقد جرب أوباما سياسة الوقوف على الحياد في العراق وسوريا، ويجب ألا يكرر الخطأ عينه في ليبيا.
تحرك
توجه المقاتلون الأجانب، بتعليمات من قيادة تنظيم «داعش» في سوريا إلى سرت، حيث تمكنوا من بناء «إمارتهم» المزعومة دون أن يخشوا هجوم القوات الغربية. وأفاد البنتاغون، أخيراً، بأن عدد المقاتلين في سرت قد تخطى الخمسة آلاف، وأنهم يسعون لشن اعتداءات على أوروبا.
