وسط كل التغييرات الغريبة التي تعتري الجولة الراهنة من الانتخابات الأميركية، فإن التغيير الأكثر إثارة للذهول، يتمثل في طريقة تحول الحزب الجمهوري بشكل واضح للعيان.
أما كون المرشح الجمهوري دونالد ترامب مسؤولاً عن هذا التغيير، أو مستفيداً فقط منه، فيشكل معضلة تعود إلى التاريخ ليقرر بشأنها، إلا أن التغيير الحاصل الآن، قد أُطلق له العنان، بغض النظر عن مصير ترامب الانتخابي.
مسار الجمهوريين الجديد
وقد أظهرت نتائج الاقتراع في ثلاث من الولايات الأميركية، أن مجموعة جديدة من الناخبين ترسم مسار الحزب الجمهوري اليوم، وتتسم أجندة هؤلاء بأنها أكثر شعبوية وأقل إيديولوجية، مقارنةً مع الناخبين الجمهوريين في الماضي.
كما تبدي هذه المجموعة استعداداً للتخلي عن المواقف التقليدية للحزب على أكثر من صعيد، لا سيما في ما يتعلق بالقضايا التي تعد أكثر ما تهم الدائرة الانتخابية. كما أنها لا تُكِن الاحترام، لا، بل تظهر نوعاً من النفور التام من قادة الحزب.
ويبدو بعض هؤلاء الناخبين طارئين على الحزب الجمهوري، إلا أن عدداً كبيراً منهم يحومون حوله منذ أمد طويل، ويترنحون بفعل سنوات من الخلافات مع الديمقراطيين حول الكثير من القضايا الثقافية. ويبقى الفارق الأكبر اليوم، أنهم مفعمون بالطاقة، كنقيض للنفور، وملتفون حول مرشح أوحد، ويقودون عملية الانتخابات التمهيدية، ويغيرون معها الحزب.
ويشكل الناخبون الذين حشدهم ترامب في غمار الفوز في كل من ساوث كارولينا ونيوهامبشير، والحصول على الموقع الثاني في آيوا، تحالفاً من المقترعين المهمشين اقتصادياً وثقافياً، الذين يبدون غاضبين وخائفين نوعاً ما، ويعتبرون بذلك مختلفين تماماً عن تحالف الفائزين الجمهوريين التقليدي.
النتائج بالنسب والفئات
حظي ترامب في كل من الولايات الثلاث التي شهدت الانتخابات، بحيز كبير من أصوات الناخبين من حمَلَة شهادات التعليم الثانوي أو أقل، وفقاً لاستطلاعات مستوى المقترعين. ففي نيوهامبشير، كسب ما يقارب نصف أصوات هؤلاء، أما في ساوث كارولينا، فقد حصل أيضاً على نسبة 40 في المئة من أصوات أصحاب بعض التعليم الجامعي، لا الحاصلين على الشهادات الجامعية.
كما أنه حقق في الولايات عينها فوزاً في أوساط الجمهوريين المعتدلين إيديولوجياً، وأولئك الذين يعتبرون أنفسهم مستقلين سياسياً، كما أنه يحقق نتائج أفضل في أوساط الناخبين الأكبر سناً، لا الشباب، لا سيما أنه يدين بالفوز لأصوات من ينتمون لفئة الستينيات العمرية فصاعداً، وبين أصحاب الدخل المتدني، لا المرتفع.
ويذكر أن ترامب يجتذب أصوات شريحة واسعة من الناخبين الجمهوريين من مختلف المشارب والأهواء. إلا أن الثقل الانتخابي يتماشى مع توجهه الشعبوي الجديد.
ولا يجسد تحالف ترامب، ائتلاف المحافظين الجدد حول السياسية الأمنية، ذلك أن ترامب انتقد بشدة حرب العراق التي تحمل بصمة المحافظين الجدد، ويحمل في جعبته الودّ للرئيس الروسي فلاديمير بوتين، الذي يمقتونه.
اعتاد الرئيس الأميركي الأسبق رونالد ريغان، تعريف الحزب الجمهوري على أنه كرسي بثلاث أرجل، تتوزع على المحافظين الاجتماعيين، والمحافظين الماليين، ومحافظي الأمن القومي. ولا يمثل تحالف ترامب أياً من تلك الأرجل على وجه التحديد.
إنه تحالف شعوبي، وترامب قد حظي بدعمه، لأنه هجر بمزيد من التحدي، السياسات الاقتصادية التقليدية للحزب الجمهوري، وسخر من اتفاقيات التجارة الحرة التي حظيت بتأييد واسع في أوساط الحزب، لا سيما داخل جناح الأعمال القوي.
وهشم ترامب فلسفة ريغان المتعلقة بالهجرة، وبدا أكثر نزوعاً نحو الشعبوية الديمقراطية، منه إلى الجمهورية، حين تحدث عن فرض الضرائب على صناديق التحوط الاستثمارية والشركات ذات الأسهم الخاصة.
كما أنه سخر علناً من آخر ثلاثة متنافسين على الرئاسة من الجمهورين، السناتور جون ماكين، والرئيس الأميركي السابق جورج بوش، وحاكم ولاية ماساتشوستس السابق ميت رومني.

