وجه زبغنيو بريجينسكي، مستشار الرئيس الأميركي الأسبق جيمي كارتر للأمن القومي، إلى الرئيس الأميركي باراك أوباما تهمة «عدم التخطيط الاستراتيجي والاكتفاء بإلقاء المواعظ». وبات ثمن تفضيل الموجبات القانونية على التحرك العسكري واضحاً اليوم بعد دخول الثورة في سوريا ضد الرئيس بشار الأسد عامها السادس. ويتعين على المؤرخين الرئاسيين الذين دعاهم إلى تناول العشاء في البيت الأبيض أن يبلغوا أوباما بأن العلامة الأبرز لإرثه ستتمثل في التخلي عن السوريين، وليس الاتفاق النووي مع إيران.
عقب تدخل حلف «ناتو» لوقف فظاعات الصرب عام 1999، شيدت كوسوفو المستقلة تمثالاً ضخماً تكريماً للرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون، إلا أن هذا السيناريو لن يتكرر مع حلب الممزقة.
بوتين واقتناص الفرص
ولا يثير الدهشة في هذا الإطار أن يتلمس الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وجود فرصة مواتية في سوريا، حيث احتمالات المواجهات المفتوحة على الأرض السورية مع إدارة أوباما كانت في حدّها الأدنى، وكان الزعيم الروسي يشعر بحرية «إطلاق الصواريخ» دعماً لحليفه الدكتاتور. وقد ضربت المقاتلات الروسية خلال الأسبوع الأول من شهر فبراير 875 هدفاً.
ولم تكن هناك من علاقة وثيقة بين معظم الأهداف التي تعرضت للقصف والهدف المعلن من المهمة العسكرية الروسية، المحدد بسحق تنظيم «داعش». ما نشهده اليوم هو حرب روسية خاطفة ضد أي طرف يمكن أن يسبب المشكلات للأسد، وذلك تحت أنظار متفرجين منكودين. فتح أوباما الباب أمام حملة روسيةٍ مريعة، تجعل من تحقيق التسوية أمراً أقرب إلى المستحيل.
وتبلورت متلازمة الأرملة الحامل حين تدخل أوباما وفرنسا وبريطانيا في ليبيا، في محاولةٍ فاشلة لتسيير دفة الثورة المناهضة للرئيس الليبي السابق معمر القذافي نحو حكومة مستقرة مؤيدة للغرب. وكان من شأن هذه الحقيقة المريرة، مرفقة بتصويت مخزٍ في مجلس النواب البريطاني، أن دفعا بأوباما لعدم شن هجمات جوية عقابية على الأسد عقب استخدامه الأسلحة الكيماوية لتسميم شعبه.
وقضى عدم تنفيذ التهديد بالتحرك على مصداقية السياسة الأميركية والبريطانية في سوريا، وشكل فرصة مواتية، كان ينتظرها بوتين لفضح نقاط ضعف الطرفين.
نقطة بداية التراجع
وسطرت تلك اللحظة بداية التراجع الغربي، وانطلاق مسلسل الكوميديا التراجيدية، بعد أن ثبتت استحالة تدريب مقاتلين موثوقين في ظل مشاحنات القيادات المعارضة. وقد بدأ السوريون الأكراد، الحليف الأقوى لأميركا ضد «داعش» على الأرض، يعتقدون أن التعاون مع روسيا أفضل من تأييد الغرب المتمسك بتركيا، عدوهم الأول.
لقد حان وقت اتخاذ القرار بالنسبة لأوباما، فالحرب تتسع دائرتها وتتسارع وتيرتها، وتحض على إظهار التزام أكثر متانةً حيال سوريا وتولي زمام الخطوة العسكرية. إلا أن البديل يبدو أكثر احتمالاً، حيث يدفع أوباما الغرب إلى قبول الحجج الروسية القائلة بضرورة بقاء الأسد في منصبه وتركه وشأنه إلى أن يتخلص من «داعش» في سوريا.
ويمكن للبيت الأبيض الدفاع عن الخطوة بالقول إنها السبيل الوحيد نحو تحويل مسار النزاع بين الشرق والغرب والانزلاق نحو حربٍ عالمية ثالثة، إلا أن ذلك يشكل للبعض استسلاماً، ويمنح الأسد دافعاً لمواصلة إبرام صفقات تحت الطاولة مع التنظيم. أضف إلى ذلك أن تلك السياسة تفقد مواعظ أوباما معناها، حيث السؤال عن مكان الأسد من معادلة أهون الشرور.
لقد ظن أوباما أنه يستطيع إنهاء عهده الرئاسي باتفاق وقف إطلاق نار متذبذب، وفك عمليات الحصار والتجويع المتفشية، ويسعى للتمرير إلى خلَفه بأن كارثة سوريا إنسانية أكثر منها سياسية. إلا أن هذه الفكرة لا تقنع المؤرخين، ولا تبهر حتماً روسيا وأصدقاءها.
وتكمن الحقيقة البسيطة في السماح لبوتين بتغيير وجه العالم عبر اللجوء إلى القوة الخالصة، في واقع معيب جداً.
ارتباك
بدأت ملامح ارتباك الإدارة الأميركية تتبلور مع تفتق أحداث الربيع العربي في العام 2011، حين وقف أوباما أمام خيارين: إما دعم الحكام الدكتاتوريين الذين كانوا بمعظمهم حلفاء أميركا، أو مساندة الشباب في ثورة لا يمكن توقع وتيرة أحداثها.
وأبدى أوباما حينها تردداً سبق ترجيح كفة الشعب، إلا أنه أخفق في التوصل إلى ترجمة ذلك إلى سياسة انتقال السلطة بشكل سلمي. وكان يتوجب عليه في هذا الإطار أن يقرأ أطروحة المفكر الروسي ألكسندر هيرزن حول الثورات الفاشلة عام 1848، حيث قال: «الأمر المخيف هو أن العالم الراحل لا يترك وراءه وريثاً يخلفه، بل أرملةً حاملا.» وتسبق التحول نحو نظام جديد فترة من الفوضى والتخريب.
