هناك عدد من الدول التي تخضع رؤيتها للعالم وسياستها الخارجية لتقلبات دراماتيكية تعكس رؤية قادتها المختلفين، وتشكل روسيا مثالاً ساطعاً على هذا النموذج، حيث يشكل رئيسها فلاديمير بوتين بشخصه القوة الدافعة المسيرة لاستراتيجية البلاد ونهجها داخلياً وخارجياً.

وتقف الصين على طرف النقيض من هذه المعادلة، وبرغم خضوع سياستها الخارجية لعدد من التغييرات الهامة في السنوات الأخيرة، بقيت استراتيجيتها وتوجهاتها الأساسية راسخة في تاريخها الحديث وضمن مصالحها القومية المتطورة، لا عرضة لنزوات قائد عابر ما.

وقد تساءل المراقبون الخارجيون عما إذا كانت الصين قوة تعديلية تسعى لتقويض نظام المعايير العالمي بما يخدم مصالحها، وعما إذا كانت جرأة جينبينغ ستشهد تصعيداً نحو العدائية.

ويجدر بنا، بدلاً من النظر إلى الصين الحديثة كنموذج لنظرية الرجل العظيم في التاريخ، أن نبحث في التيارات والأسس الضمنية الكامنة.

وعلى الرغم من ارتقائها السريع إلى مصاف القوى العظمى، لم تسع الصين عموماً إلى تقويض النظام العالمي، علماً أن البلد القائم على معادلة المصالح والأيديولوجيات طالما ربطته علاقة حذرة بنظام عالمي لم تشكله، ولا يزال هذا التضارب موجودا إلى اليوم. إلا أن الصين لا تتصرف على نحو يقوض الأعمدة الأساسية للنظام السياسي والاقتصادي والأمني العالمي.

وتتلخص أولويات جينبينغ في الحفاظ على نمو اقتصادي واستقرار داخلي، لا يضمن حدوثهما، ولا يعين على تحقيقهما السير في مغامرة خارجية مستهترة. وليست المزاعم حول مساعي الصين لطرد الولايات المتحدة من منطقة الباسفيك الغربية وبناء "آسيا للآسيويين" سوى ادعاءات مبالغ بها. إلا أن موقفها من جيرانها سيما في الأجزاء البحرية قد ولّد قلقاً مفهوما من أنها ليست قوة وضع راهن في آسيا.