متى لا يكون الاتفاق اتفاقاً؟ سؤال يلحّ على وزير الخارجية الأميركي جون كيري حسن النوايا، قليل الحيلة، وعلى نظيره وزير خارجية روسيا الدبلوماسي الغامض سيرغي لافروف.

 وقد نال الاتفاق الذي تم التوصل إليه في ميونيخ، أخيراً، لـ«وقف الأعمال العدائية» الثناء باعتباره إنجازاً، وبشيراً على ما يبدو باقتراب نهاية حربٍ مأساوية حصدت وفق آخر التقديرات حياة 470 ألف شخص، وهجرت قرابة نصف السكان منذ العام 2011.

وتعتبر تلك الأخبار مشجعة، لولا تشبيه مصادر مراقبة مقربة اتفاق كيري لافروف بالمحاولة المليئة بالثقوب كأحد أبنية حلب. إذ إنه ليس وقف إطلاق نار بالمعنى المعروف للكلمة، حيث لا يطبق الاتفاق على الأطراف المعنية كافة، كما أنه مؤقت، أو كما وفّق كيري في وصفه بأنه «فاصل».

وقد تبدأ مفاعيل هذا الوقف للنار في الأسابيع القليلة المقبلة، أو لا، ويعتمد ذلك على موقف اللاعبين الأساسيين غير الموجودين في ميونيخ، وتحديداً نظام الرئيس السوري بشار الأسد، وجماعات المعارضة السنية المسلحة المدعومة عربياً وغربياً.

ويسهل القول إن متشددي «داعش»، سيما أولئك الذين يستثنيهم الاتفاق، سيبذلون ما في وسعهم لإخراج الاتفاق عن المسار، لأن السلام ليس وارداً أصلاً على جدول أعمالهم. ويبقى راسخاً مهما تفرعت طرق جماعات المعارضة الأساسية اجتماعها على نقطة واحدة تقول إن أي اتفاق سيبقى حبراً على ورق طالما لم ينفذ على الأرض، ويطرح السؤال حول الجهة التي ستبدأ التطبيق أولاً.

إنها ليست جماعة الأسد طبعاً، الذي أثبت مجدداً صيته الذائع بالحماقة الاستراتيجية، وتعهد بإعادة السيطرة على كافة أنحاء البلاد، في هدف صنفته أميركا على أنه مضلل. ولن تكون جماعات المعارضة هي المبادر أيضاً لوقف إطلاق النار، في ضوء إصرارها على أن الخطوة تتطلب أولاً إزاحة الأسد من السلطة، وهو ما فشلت في تحقيقه على مدى خمس سنوات من الصراع.

وحتماً لن يكون الروس في طليعة المبادرين، وقد تمثل الخرق الأكبر في اتفاق ميونيخ في عدم ضمان وقف موسكو عمليات القصف الجوي العشوائي. ففي شمال البلاد، وحول مدينة حلب، تستهدف روسيا جماعات المعارضة المدعومة من الغرب، والأقلية التركمانية باعتبارهما «جماعات إرهابية»، فيما لا تتعرض للإرهابيين الداعشيين الحقيقيين. ولايزال من غير الواضح ما إذا كان الروس سيوقفون أعمال القصف ومتى.

وعلى الرغم من العيوب الكثيرة التي تشوب الهدنة، فإنه من الحيوي عدم السماح بانهيارها، بل وباعتمادها كمدماك أساسي نحو بناء أكثر تماسكاً، سيما وقد أدرك قادة الغرب متأخرين حجم مخاطر الحرب السورية، التي بدأت على شكل احتجاجات محلية سلمية ضد قمع نظام الأسد، وتفشت لتصبح أزمة هي الأشد وطأة في الزمن الحاضر على الصعيدين الإنساني والسياسي، وشكلت اختباراً مفصلياً للمجتمع الدولي.

ويعتبر التلاحم المستقبلي في الاتحاد الأوروبي، بفضل الأسد، أمراً غير محسوم، سيما في ظل الصراع المخيّب الذي يعيشه للتعامل مع مسألة الهجرة الجماعية منفلتة الضوابط.

وبفضل الأسد أيضاً، تعتبر تركيا، حليف الغرب المعرض للضغوط من جميع الاتجاهات، على قاب قوسين أو أدنى من الانفجار، أما في بقية الدول العربية المساندة للسنة في الحرب الدائرة، فإنها تتابع الموقف عن كثب وبشكل نشط.

وفي واشنطن، وصلت الثقة بالقيادة الأميركية العالمية إلى أدنى مستوياتها، في الوقت الذي يبحث أوباما عن مخرج سهل، ويتباهى المرشح الجمهوري المصنف درجة ثالثة بجهله وتعصبه مقابل تصفيق بعض الحمقى.

ويتحتم، من أجل هذه الأسباب مجتمعةً أن تبذل بريطانيا، المتمرسة بمشكلات الشرق الأوسط، ما بوسعها لتعزيز خطى الأمم المتحدة نحو الوصول الفوري للمساعدات الإنسانية لبلدات ومدن سوريا المحاصرة، وفرض وقف إطلاق نار مستدام، وإعادة إطلاق محادثات جنيف.

ما من فائدة الآن للتباكي على سياسة روسيا مزدوجة المعايير، بل من الأجدى التشدد من قبل الغرب مع الكرملين بجميع الطرق الآيلة للتأكد من أن بوتين ودميته الأسد سيمنحان السلام فرصة.

أجندة

لو كانت السياسة الروسية تديرها قيادة أكثر استنارة أو طبيعية، لكان هامش التفاؤل أكبر. لكن الوضع ليس كذلك ، فالرئيس الروسي فلاديمير بوتين ماضٍ في تنفيذ أجندته في سوريا، حيث تقتصر الأولوية الأهم على بقاء الأسد في الحكم كحليف قديم أساسي في الشرق الأوسط، وذلك بغض النظر عن الدماء المهدرة وحجم المعاناة الإنسانية.

ويتبع قصف حلب منطق المضي في التسوية الدبلوماسية المتزامنة مع تغيير الحقائق الميدانية لصالح روسيا ووكلائها. ويتمثل بالتالي بالمحاولة المتعمدة لتعزيز موقع النظام التفاوضي تمهيداً لمحادثات السلام المستأنفة بوساطة أممية قريباً. لكن لا يمكن لأحد أن يتوقع أن تلقي المعارضة سلاحها وتسلّم بالمفاوضات.