نجاح الجيش السوري في حلب هو ما تنتظره روسيا منذ بدء تدخلها العسكري في سوريا في سبتمبر الماضي، وضرباتها الجوية كانت لإضعاف جماعات المعارضة للرئيس السوري بشار الأسد المتعددة، بما في ذلك تنظيم «داعش» وغيره، كما لإيجاد الظروف لكي تبدأ دمشق بهجومها المضاد.

لكن حتى فترة متأخرة، كان هناك انقطاع بين النشاط الروسي في الجو ونقص القدرة لدى قوات الأسد لاستغلال الأوضاع على الأرض، والآن تم سد هذه الفجوة، لكن لا ينبغي أن نتوقع نصراً سريعاً لدمشق، فمجموعات المعارضة في حلب قد تستدعي أطرافاً أخرى إلى سوريا.

وإذا حصل هذا الأمر، فإن الحرب ستشهد تحولاً مرة أخرى. ومع تورط كل من الولايات المتحدة وروسيا والقوى الإقليمية بشكل مباشر، فإن سوريا يمكن أن تصبح أول ساحة قتال في المنافسة العالمية على السلطة والنفوذ، وهي منافسة تبدأ من جديد بعد توقف دام 25 عاماً.

أسئلة مطروحة

وتبعات مثل هذا التطور يصعب التنبؤ بها، لكن فيما يلي بعض من الأسئلة التي سوف تطرح على بساط البحث بكل تأكيد. هل ستدخل تركيا سوريا بقوات تركية على الأرض لاحتلال المناطق التي يسيطر عليها الأكراد؟ هل ستقصف تركيا وحدات الجيش السوري؟ هل سترسل إيران مزيداً من القوات؟ ماذا سيفعل الجيش الأميركي في خضم كل ذلك؟

وكيف سيرد الروس إذا تعرض حليفهم السوري لهجوم وخسائر مستمرة؟ وماذا سيكون الرد الروسي على خسائر سيتكبدونها على يد الأتراك؟

هل سيفتحون النيران على الدبابات التركية ويسقطون الطائرات التركية بمنظومة الدفاع الجوية «إس -400» المنصوبة هناك بعد حادثة إسقاط الطائرة في نوفمبر الماضي، عندما أسقطت طائرة روسية من قبل طائرة «إف-16» تركية؟ هل ستعمد موسكو إلى تسليح الأكراد في تركيا؟

وهل سيدفع هذا حلف شمال الأطلسي «ناتو» إلى إعمال المادة 5 من معاهدة واشنطن التي تنص على أن أي هجوم على حليف يعد هجوماً على كل الحلفاء؟ وفي حال حدوث أي من هذه التحولات، فإن مجمل البيئة الاستراتيجية العالمية ستتغير.

وتجري مقارنة الوضع الحالي في سوريا أحياناً بأحوال إسبانيا في ثلاثينات القرن الماضي، والتشابه بينهما يزداد وضوحاً. لكن المفارقة المريرة هي أنه، في نهاية يناير الماضي في جنيف، بدأت عملية تفاوض بهدف إحلال السلام في سوريا، بعد حوالي خمس سنوات على بدء هذا الصراع المدمر.

وإلقاء مسؤولية انهيار تلك المباحثات على الأحداث في حلب يعني عدم فهم ما يجري هناك. ليس هناك وقف لإطلاق النار متفق عليه سلفاً، ولو تمكن الثوار من إحراز نجاح كبير ضد الأسد، لكانوا ربما قد ضغطوا لمزيد من التقدم أيضاً. ويبقى جوهر المسألة في غياب الاستعداد لدى الجهات الإقليمية للتوصل إلى حل وسط.

تحول كبير

لدى الولايات المتحدة وروسيا خلافاتهما، بعضها كان قد أدى إلى مواجهة فعلية في مجالات هامة، لكن البلدين تمكنا من التعاون حول سوريا حتى الآن، على أساس من التفاهم بأن أياً من الطرفين غير قادر على تحقيق كل ما يريده.

لكن العالم تغير بشكل كبير منذ الحرب الباردة، عندما كان بإمكان موسكو وواشنطن أن يقررا في السير لصالح الآخرين، ويعملا على محاسبتهم. ففي الشرق الأوسط، تقف الجهات الإقليمية في المواجهة، وهي التي تقرر مسار الأحداث حرفياً. ولابد لها إلى جانب المواجهة أن تتعلم هذه الجهات فنون التعاون. فالشرق الأوسط دخل فترة زمنية سوف تدوم ربما بضعة عقود، وهي فترة تتصف بالقليل من السلام والكثير من القتال.

دور

سيكون دور من يأتي من الخارج في الشرق الأوسط محدوداً، وفي الغالب سيكون لديه فهم محدود لما يجري هناك. وتكمن مسؤوليته الأساسية في العمل على إيجاد الحلول التي تنقذ الأرواح، مهما كانت ناقصة هذه الحلول أو قاصرة..

كما في إيجاد الظروف الملائمة للتعايش في الفترة التي ستلي انتهاء الصراع. فإذا ما تخلوا عن هذه الجهود واتخذوا جانب أي من الأطراف في الصراع، فإن سوريا يمكن أن تصبح بسهولة إسبانيا أخرى، وهو تحذير كان قد ذهب إدراج الرياح، وأدى إلى مصيبة أعظم بكثير.