تكتنف الثورة السياسية الأميركية أجواء المغالاة، فجمهوريو ولاية آيوا عادوا إلى قواعد المحافظة الاجتماعية، أخيراً، ودفعوا بالمرشح تيد كروز، إلى الفوز على حساب منافسه من الحزب الجمهوري دونالد ترامب خلال عملية التحضير الأولى للحزب على مستوى الأمة. في حين انكفأ الديمقراطيون عن المرشح بيرني ساندرز الشعبي لصالح لماكينة جماعات مصالح هيلاري كلينتون.
أما الخاسر الكبير في المعركة، كما يقال، فكان ترامب، الذي لم يتمكن في نهاية المطاف من تحويل الحشود وقيادات الناخبين إلى تجمع انتخابي، علماً بأن رجل الأعمال النيويوركي، ساعد دون أدنى شك في إيجاد حضور أكبر، وكسرَ الأرقام القياسية لتجمعات الجمهوريين الانتخابية. ويعزى احتمال خسارته إلى عدم حضوره جلسة المناظرة التلفزيونية الأخيرة، أو إلى أن هناك حدوداً ربما لسياساته غير الاعتيادية المسيطر عليها إعلامياً.
لا يزال ترامب يتصدر نتائج الاستطلاعات في ولاية نيوهامبشير، إلا أن التساؤلات تحوم حول كيف سيكون ردّه على واقع حلوله غير المريح في المرتبة الثانية، لا سيما أن خطابه الأخير اتسم بانخفاض مستوى الطاقة الحماسية.
وفي مقابل ذلك، برز المرشح تيد كروز كمحرك للمحافظين المثقفين في الولاية، حاصداً أكثرية بنسبة 28 في المئة. ويحظى سيناتور ولاية تكساس بتأييد الرعية الدينية في آيوا، وقد أمضى شهوراً طويلة من التنظيم الممتد على أنحاء الولاية، واستثمر في حملته بقوة على تحليلات توجهات الناخبين، فاجتاز كروز الاختبار الأول بنجاح، وأثبت أنه يستطيع ترسيخ نظرية الفوز بترشيح الحزب الجمهوري له، تمهيداً للرئاسة، موجهاً بذلك رسالة حادة اللهجة للمحافظين.
إلا أن السؤال الذي يطرح نفسه في نيوهامبشير وخارجها، يتمحور حول إمكانية كروز من حيث توسيع نطاق تحالفه، ليتخطى بوتقة الناخبين المحافظين المتشددين. وقد أظهرت نتائج الانتخابات الأولية، أنه أقل حظاً من كل من ترامب وماركو روبيو بين الناخبين، الذين تتراوح توجهاتهم بين الاعتدال والمحافظة. ويحتاج كروز للفوز بترشيح الحزب الحاسم، إلى أن يوسع نطاق دعمه، وعدم الاكتفاء بدعم الاقتصاد والوظائف.
وشكل روبيو ثاني أكبر الفائزين، محتلاً المركز الثالث بنسبة أصوات بلغت 23 في المئة، أي بنتيجة مقاربة جداً لترامب الذي حقق نتيجة 24 في المئة. أبلى سيناتور فلوريدا للمرة الأولى جيداً، لا سيما في أوساط الناخبين الذين قالوا إنهم يبحثون عن شخصٍ قد يحقق فوزاً في نوفمبر المقبل. وبدا خطابه الأخير أشبه ببيان إعلان انتصار، وبدت عباراته المحافظة الضمنية، نقيضاً لكلام كروز الاستقطابي اللهجة.
أما الديمقراطية هيلاري كلينتون، فقد كشف هامش التقارب في النتائج، ضعفها كمرشحة، إلا أنه أظهر كذلك قدرة جماعات المصالح الأقوى في الحزب على الاتحاد بوجه المدّ الشعبي التقدمي، وقد وظفت وزيرة الخارجية السابقة، كل تلك القوى، التي تضم الاتحادات العامة والمنظمات النسائية ضد ألوية الشباب الداعم لبيرني ساندرز في إحدى التجمعات الانتخابية، حيث التنظيم في ذروته. ولا بد لمثالية ساندرز الاشتراكية في هذه الحالة، أن تتخطى الماكينة الانتخابية.
ها هي السيدة الأولى السابقة، تحاول اليوم أن تبث أجواء الحتمية في مساعيها لقطع الطريق على صدارة ساندرز في نيوهامبشير، فيما سيكون الأخير في وضع ميؤوس منه لإيقافها، إلا إذا تمكن من جذب المزيد من أصوات الدوائر الانتخابية التي تتعدى قاعدة الشباب وطبقة أعيان اليسار. ويملك ساندرز المال الذي يؤهله للمنافسة لعدة أسابيع، لكنه سيكون بحاجة ماسة لانتصارات تبقي على مصداقيته كمرشح.
أما بالنسبة لهيلاري، واتباعاً لنسق عائلة كلينتون، فهي تجد نفسها مضطرة لإخماد حدة الجدالات، وإغفال الأدلة التي تدينها بالتحيز للحزب الجمهوري، أو سوء التصرف المهني الإعلامي، وتأليب جماعات مصالح الديمقراطيين للتشويش على التفاصيل، والتمني بأن يسمي الجمهوريون مرشحاً يتجاوزها نواقص، أو يكون مرفوضاً أكثر منها جماهيرياً. وقد أظهرت نتائج جولة آيوا، أن الجمهوريين لا يجارونها فعلاً.
كشف أوراق
كشفت نتائج آيوا الانتخابية أنه في حين تتمثل العقبة الأكبر أمام بيرني ساندرز في شكوك الديمقراطيين المتعددة إزاء هيلاري، واقتصاد عهد الرئيس الأميركي باراك أوباما، فإنهم أكثر جدية حيال الوصول إلى البيت الأبيض، مما هم مهتمون بالخطب.
ولا يزال على ساندرز أيضاً، أن يتخذ القرار بشأن عدد المرات التي يذكر فيها تحقيقات المكتب الفيدرالي الأميركي، حول إساءة هيلاري التعامل مع معلومات سرية، وتبادلها عبر بريدها الإلكتروني الخاص، لا سيما أن توصل المكتب إلى اعتبار ما ارتكبته جنحةً أو أسوأ، سيولد بلبلة كبرى. يتعين على ساندرز أن يجعل الديمقراطيين يدركون أنهم بإعلائهم لهيلاري، فهم يقدمون مرشحة جريحة.

