يشكل التنافر التام في ردّ الاتحاد الأوروبي على أزمة المهاجرين هدية قيّمة للعقول الإرهابية المدبرة في تنظيم «داعش»، أو أنه يبدو على الأرجح أشبه بحصان طروادة، نظراً لدهاء التنظيم في استغلال الكارثة الإنسانية، تنفيذاً لأهدافه العدوانية الشائنة.

ففي الوقت الذي يكافح قادة أوروبا للتوصل إلى اتفاق ما حول مضاعفات التهديدات الأمنية والاجتماعية المتعددة المتمثلة بأزمة لاجئين هي الأسوأ منذ الحرب العالمية الثانية، يستغل «داعش» الفوضى لأقصى حد. ويتمثل التحدي الأبرز الذي يواجه الجهات الرسمية الأوروبية في محاولتها التعامل مع موجات المآسي الإنسانية التي تجتاح سواحل جنوب أوروبا في حسن نوايا أولئك الساعين للجوء.

استغلال انعدام الرقابة

قلة هم الأوروبيون المستعدون للتغاضي عن تقديم المساعدة لمن هم بأمس الحاجة لها، لكن الحكمة تقتضي أن يتأكدوا أولاً من أن الوافدين لا نية لهم للتسبب بالأذى لعائلاتهم. إلا أنه في ظل حجم الأزمة، المتمثلة بدخول ما يقارب 1.5 مليون شخص إلى مختلف دول الاتحاد الأوروبي عام 2015، فإنه يكاد يكون مستحيلاً ممارسة الرقابة والتدقيق الفاعلين على كل القادمين.

وأسفرت النتائج، كما بات معروفاً، عن استغلال تنظيم «داعش» لمعابر المهاجرين لإرسال أعداد من المتشددين المدربين جيداً ونشرهم في أنحاء أوروبا، وتزويدهم بتعليمات دقيقة حول كيفية شن اعتداءات وحشية، على غرار تلك التي حصلت في باريس العام الماضي، وأودت بحياة 130 شخصاً من الأبرياء.

ويعتبر هذا السيناريو بمثابة كابوس لمسؤولي الاستخبارات البريطانية، الذين يحاولون التمييز بين الإرهابيين المحتملين وطالبي اللجوء الحقيقيين.

وفي عدد من الحالات، فإن الذين يعرفون بتعاطفهم مع «داعش» عادةً ما يختفي أثرهم، حالما تطأ أقدامهم معاقل التنظيم كالرقة في شمال سوريا. فما إن يصلوا إلى هناك، حتى يحصل المجندون إضافة إلى تلقيهم التدريبات على أحدث التقنيات الإرهابية، على هويات جديدة وجوازات سفر مزورة، قبل إعادتهم إلى أوروبا عبر طريق المهاجرين.

وتساعد السهولة التي ينجح من خلالها «داعش» في اختراق معابر تهريب المهاجرين في توضيح سبب نشر مكتب تطبيق القانون الأوروبي «يوروبول» تقريراً مقلقاً، أخيراً، يشير إلى قيام التنظيم بإنشاء مخيمات تدريب سرية في كل أنحاء أوروبا لتنفيذ هجمات «على طريقة القوات الخاصة» ضد أهداف في كل من بريطانيا ودول أخرى في الاتحاد الأوروبي.

خلافاً لتنظيم القاعدة التابع لأسامة بن لادن، الذي كان يحصر نطاق عملياته بالتخطيط لعمليات من داخل الكهوف الجبلية النائية المنتشرة في أفغانستان، يتكون تنظيم «داعش» من جيل جديد من المقاتلين المتشددين من أصحاب التعليم العالي، القادرين على استغلال أحدث التقنيات الغربية، سواء في مجال التواصل الاجتماعي، أو من حيث اختراع الأدوات بهدف استخدامها في نشاطات إرهابية.

خلايا الإرهاب والمعابر

ومما لا شك فيه أن الاستخدام المحترف لممرات المهاجرين من قبل الخلايا الإرهابية يضيف إلى الضغوط الكثيرة التي يتعرض لها رئيس المفوضية الأوروبية جان كلود يونكر ومعاونوه، الذين فشلوا بالرغم من التحذير على مدى أشهر من انعكاس تدفق اللاجئين خطورة تهدد الأمن الأوروبي، في تقدير حجم التهديد الحقيقي.

لا تزال ألمانيا تكافح للتوصل إلى اتفاق بشأن المشاهد الفظيعة التي انتشرت في مدينة كولونيا عشية أعياد رأس السنة، حيث اتهمت مجموعات من الشباب اللاجئين العرب بسلسلة من الممارسات العنيفة.

أما الدنمارك، التي كانت تعتبر يوماً أحد معاقل الليبرالية الحصينة، فباتت مكتظة بالمهاجرين إلى حدٍّ دفع برلمانها للمصادقة على اقتراح مثير للجدل يقضي بمصادرة مقتنيات اللاجئين الثمينة مقابل إبقائهم.

سواء لناحية التهشم الاجتماعي، والتعصب المتزايد، أو ارتفاع إمكانية الاعتداءات الإرهابية، لم يسبق أن كان أوضح مدى ارتفاع ثمن فشل الاتحاد الأوروبي في معالجة أزمة اللاجئين.

قلق

بدلاً من السعي نحو تحسين مستوى التحقق من خلفية طالبي اللجوء، آثر مسؤولو الاتحاد الأوروبي اعتماد الخيار الأسهل وإلقاء الخطب والمحاضرات على الدول الأعضاء، حول ضرورة القبول بحصص أكبر من المهاجرين المتزايدين.

وأسفرت النتائج عن قادة سياسيين أوروبيين وجدوا اليوم أنفسهم غارقين في سيل من المخاوف الأمنية والاجتماعية. ومن المرجح أن تساهم حادثة مقتل ألكسندرا مزهر، البالغة من العمر 22 ربيعاً العاملة في مجال الرعاية، طعناً حتى الموت على يد مهاجر يبلغ من من العمر 15 عاماً في أحد مراكز اللاجئين في السويد، في رفع مستوى المخاوف أكثر فأكثر.