في ظل الأحداث الإقليمية والعالمية المتسارعة، وعلى ضوء المحادثات والاجتماعات المعلقة والمؤجلة، يسود كثير من التساؤلات حول المعطيات التي قد تجعل المجتمع الدولي يرحب مجدداً بانضمام الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إليه، ومن ضمن الاحتمالات المطروحة تبرز إمكانية ممارسته الضغوط على الرئيس السوري بشار الأسد للتنحي عن السلطة والبدء بمرحلة تقاعد في إحدى الدور المطلة على البحر الأسود، فهل سيفي ذلك بالغرض؟

وفي حين أن مثل هذا السيناريو ليس مستبعداً بالكامل، رفض بوتين في مقابلة أجريت معه، أخيرا،ً استبعاد منح اللجوء السياسي للرئيس السوري بشار الأسد، سيما أنه يملك سلطة فرض رحيله المبكر عن الرئاسة.

وقد أشارت بعض التقارير الحديثة إلى حوار جرى بين الرئيسين خلال زيارة الأسد الأخيرة إلى موسكو، حيث قال له بوتين:« إرحل، وإلا سيجبرونك على الرحيل». وحذر ضيفه، مشدداً على ضرورة بدء رحلة تشكيل حكومة انتقالية.

لكن لماذا يتعين في هذه المرحلة بالذات أن يحرص القائد الروسي على التماس موافقة زعماء عالميين أمعنوا في إظهار ازدرائهم له بوضوح؟ وقد وصف الرئيس البولندي أندجي دودا، أخيراً، روسيا بأنها «كارثة تلوح في الأفق»، وحذر من مغبة تخفيف حدة العقوبات المفروضة عليها بسبب ضم إقليم القرم وزعزعة الاستقرار بشرق أوكرانيا.

ولهذا السبب تحديداً لقيت ملاحظات رئيس وزراء اليابان شينزو آبي الصحافية ترحيباً حاراً، حين قال:«نحن بحاجة لتدخل روسيا البناء، ويتعين علينا كأحد أعضاء مجموعة الدول الصناعية السبع أن نسعى لإيجاد الحلول المتعلقة باستقرار المنطقة والعالم. وأعتقد أن إقامة حوار بناء مع روسيا بوتين أمر مهم للغاية».

ويصيب أبي في الدعوة إلى إقامة حوار مع روسيا بدل تهميشها، إذ إن إيجاد حلول مستدامة لعدد من المشكلات يشترط عدم استثناء روسيا أو استبعادها.

يعتبر دور روسيا في سوريا محورياً، ويحتاج العالم إلى تعاونها في الحرب ضد «داعش» ليس في الشرق الأوسط وحسب، بل ضد هجمات الذئب الأوحد وظهور أتباع التنظيم في كل قارات العالم.

يمكن لروسيا أن تلعب دوراً بناءً على الساحة العالمية، كما في مفاوضات الاتفاق النووي مع إيران. وينبغي من أجل جعل هذا الدور القاعدة لا الاستثناء، توجيه دعوة مفتوحة لروسيا، قد تحصد بعض الانتقادات سيما على الجانب الأميركي، حيث يحتمل أن يتلقى الرئيس الأميركي سيلاً من الانتقادات لفشله في التصدي لبوتين، لكنها تجربة تستحق الخوض، إذا كانت تؤدي لروسيا متعاونة لا مناوئة.

ومع أن بوتين قد يرحب بهذا النوع من الاحتضان الدبلوماسي، ويستغله للظهور بمظهر المنتصر داخلياً، فإن هذه الخطوة قد تنجح على المدى القصير فقط، دون أن ترتقي إلى مصافي الاستراتيجية التي يمكن اعتمادها لأجل طويل دون حصد عواقب وخيمة تنعكس على دول مجاورة كأوكرانيا.

يشكل إعادة ترتيب الأوراق مع روسيا أمراً ضرورياً وملائماً من حيث التوقيت، لكنه يحتاج لأن يتم هذه المرة بالتوافق مع تاريخ روسيا ونظرتها لنفسها على أنها قوة عظمى. من شأن هذه الخطوة أن تعود بفوائد جمة يتوّجها رحيل الأسد عن السلطة.

كلمة

إذا أردنا الحديث عن إصلاحات في الأمم المتحدة ذات معنى، فلا بد من أخذ موافقة روسيا، صاحبة حق النقض في مجلس الأمن. وإذا كان لابد من فعالية عمل أي من المؤسسات العالمية متعددة الجنسيات، فإن ضم روسيا ومنحها مكانتها وثقلها المناسبين أمر حتمي.