لم يكن خافياً على أحد مخاوف مصر من الانعكاس السلبي على حقوقها التاريخية في المياه بفعل المشروع الكهرومائي الأضخم في إفريقيا، حيث إن سدّ النهضة الذي تقوم إثيوبيا ببنائه سيبلغ ارتفاعه عند اكتماله عام 2017 حوالي 170 متراً، وعرضه 1.8 كيلومتر.
أما سعة الخزان فسوف تتخطى حجم النيل الأزرق، الرافد الذي يبنى عليه السد. كما سيولّد السد طاقة كهربائية بقوة ستة آلاف ميغاواط، أي ضعف الطاقة التي تولدها إثيوبيا حالياً.
إلا أن نعمة إثيوبيا ليست كذلك بالنسبة لمصر، التي تعتبر النيل منذ آلاف السنين خط الحياة الممتد في الصحراء، والذي يمدّ البلاد بأسرها بالماء تقريباً. وتطالب مصر بثلثي المياه المتدفقة تماشياً مع بنود الاتفاقية الموقعة مع السودان عام 1959.
إلا أن ذلك لم يعد كافياً لتلبية حاجة الشعب المتزايد سكانياً وري المحاصيل العطشى. أضف إلى ذلك تراجع الحصة السنوية للفرد من مياه الشرب إلى أكثر من النصف منذ العام 1970، مما دفع الأمم المتحدة للتحذير من أزمة تلوح في الأفق.
حرص المسؤولون في مصر على الدفاع عن مصدر المياه، وتوترت علاقات البلاد مع ثمان من الدول الأخرى التي تشارك مصر حوض النيل. وقد اتفقت معظم تلك الدول على التعاون فيما بينها، وتجاوز الاتفاقية القديمة التي تمنح مصر حق الاعتراض على قيام مشاريع أعلى النهر.
لكن الحكومة المصرية اعتمدت، في الآونة الأخيرة، نبرةً أقرب إلى روح التسوية، حيث انضم الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في مارس 2015 إلى كل من رئيس وزراء إثيوبيا هايلي مريام ديساليغنه، والرئيس السوداني عمر البشير لتوقيع إعلان يبارك ضمنياً خطوة بناء السدّ، طالما أنه لا يسبب «أذىً كبيراً» لدولتي مصب النهر.
وتم التأكيد على الإعلان في ديسمبر الماضي، حين رست الدول الثلاث المعنية على شركتين فرنسيتين لدراسة المخاطر المحتملة للسد.
وجاءت هذه الخطوة متأخرة كثيراً، لاسيما أنه كان يفترض بالدراسة أن تنتهي العام المنصرم، إلا أن المماحكات المتعلقة بتوزيع العمل، وانسحاب إحدى الشركتين أدى إلى حصول تأخيرات.
ويعتقد عدد من المصريين أن إثيوبيا تتعمد العرقلة والمماطلة بهدف أن تجعل من السدّ أمراً واقعاً، وقد بلغت مرحلة الانتهاء منه إلى النصف، في ظل قلق الخبراء من فوات الأوان على إصلاح أي مشكلات.
ومن ناحية أخرى تبرز، كورقة صعبة في المفاوضات، السودان التي ساندت مصر طويلاً في معارضة بناء السدّ الذي يبعد 20 كيلومتراً فقط عن حدودها، وبدلت موقفها بعد أن اتضحت الفوائد المبدئية، ووقفت في صف إثيوبيا.
وستتزود السودان الفقيرة بالطاقة بجزء من القوة الكهربائية المولدة من السدّ، الذي إذا عمل على استقرار تدفق النيل سيجنب السودان الفيضانات، واستهلاك المزيد من المياه، وزيادة المحاصيل الزراعية.
وينبغي أن تحدد طريقة تشغيل السدّ عوامل تتمثل بكمية المياه التي تستخدمها السودان مستقبلاً، والعناصر المتبدلة الأخرى، كتغير مستوى هطول الأمطار، ونوعية المياه. ويتطلب إنجاز ذلك المزيد من التعاون والاستعداد لتقديم التنازلات.
حيث إن الخلاف بين مصر والسودان حول تعريف «الأذى الكبير» لا يبدو واعداً. إلا أن الدول الثلاث ستجني الفوائد إذا تعاونت فيما بينها، وفق رأي كينيث ستريزبيك من معهد التكنولوجيا في ماساشوستس، الذي أشار إلى قدرة السدّ على تخزين المياه لاستخدامها أيام الجفاف، وإمكانية توليد الطاقة الزهيدة للتصدير فور بناء خطوط الإمداد.
يمثل بناء سدّ النهضة الاختبار الأحدث لاستعداد الدول للمشاركة في مصادر المياه، في ظل إمكانية ظهور المزيد من الصعوبات قريباً، حيث تخطط إثيوبيا لبناء سدود أخرى على امتداد النهر، ما قد يؤثر على تزويد المياه. وقد وعدت السودان المستثمرين الأجانب بتأمين فائض من مياه الري. وإذا دفعت مصر للشعور بأنها تحت رحمة جيرانها فقد تغير موقفها.
قلق
تسود أجواء من انعدام الثقة حيال الاستخدامات المطلقة للسدّ، وقد شددت إثيوبيا على أنها ستحصر استعماله في إنتاج الطاقة وحسب، ، إلا أن مصر تخشى من استغلال المياه للري بما يقلص المنسوب على امتداد النهر.
ويتمثل القلق الأبرز في اتساع خزان السدّ، الذي إذا امتلأ بسرعة سيؤثر على قدرة تأمين المياه لمصر، ويضعف الطاقة الكهربائية التي يولدها سد أسوان. ويشير بعض الخبراء إلى أن ملء خزان السد قد يستغرق سبع سنوات. إلا أن الحكومة الإثيوبية تواجه ضغوطات عدة تجبرها على تحقيق عائدات استثمار سريعة، لمشروع ذاتي التمويل بلغت كلفته 4.8 مليارات دولار.
